محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

60

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

على الرباعي والخماسي إلّا في ما تؤدّي « 1 » إليه الضرورة ؛ والثاني في مركّبات الألفاظ ، وهو أن يؤدّي المعنى بأقصر عبارة وأوجز لفظ ؛ فيفلّ الحزّ ويصيب المفصل . وأمّا البلاغة ، فأكثرها في المعنى ، وهو أن يكون المتصوّر في الذهن من المعنى فصيحا صحيحا متينا يعبّر عنه بأصحّ العبارات دلالة وأفصحها بيانا وأجزلها لفظا ؛ ومن المعلوم الذي لامرية فيه أنّ الإنسان كما تميّز عن الحيوان والملك بالنطق ، قبولا من الغير وأداء إلى الغير ؛ فلم يكن لحيوان مّا قبول ما في ضمير الغير بواسطة النطق ، وأداؤه إلى الغير كذلك ؛ ولم يكن لملك مّا القبول والأداء إلّا من جهة الفعل والانفعال ؛ والتفهّم والإفهام بينهم جاريان على نمط غير النطق واللفظ ؛ فاختصّ الإنسان بالنطق الذي هو فضله الذاتي عمّا فوقه من الملائكة ، وعمّا تحته « 2 » من الحيوانات . ولمّا كان النطق مطلقا على معنيين : أحدهما التفكير والتمييز ، والثاني التعبير عمّا يفكّر ويميّز ؛ وكان الناطقون على ترتّب وتفاضل فيهما جميعا ، وينتهي في الارتقاء إلى درجة الاستغناء عن التفكير في قسم التمييز حتّى يصير الغيب له شهادة ؛ وما يحصل لغيره بالفكرة حصل له بالفطرة ؛ وكذلك في قسم التعبير حتّى يصير نطقه كلّه وحيا وما يحصل لغيره بالتعليم حصل له بالبديهة ؛ فامتاز نطقه من الوجهين جميعا ( 24 آ ) عن نطق سائر الناطقين كمالا وشرفا ؛ وكما صار النطق معجز الإنسان على الحيوان كذلك صار ذلك الكمال فيه معجز النبيّ على الإنسان ؛ وكما اختلفت وجوه الإعجاز في أصل النطق ، وإن كان جنسه معجزا ؛ فالعربية معجزة والعجمية معجزة ، كذلك اختلفت وجوه الإعجاز في كمال النطق ، وإن كان نوعه معجزا ؛ فالفصاحة معجزة ، والبلاغة معجزة ؛ وكذلك النظم والجزالة ؛ وكذلك الحكم والأمثال والمواعظ والزواجر . فالأولى أن يقال : القرآن بكلّيته معجز بعبارته ومعناه ؛ ولم تقدر العرب على معارضته : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ « 3 » عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . ومن تكلّف في طلب الأفصح من كلماته وآياته فقد أزرى بالقرآن ، حيث اختار منه كلمات معدودة ، وقصر كمال الفصاحة عليها ، وعرّض بأنّ الباقي ليس على رونق ذلك

--> ( 1 ) . س : يؤدي . ( 2 ) . س : يجبه . ( 3 ) . س : الجن والانس .