محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
51
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
بعده : رَبِّ مُوسى وَهارُونَ * وذلك تخصيص الربوبية ( 20 آ ) لشخصين . وكما عمّت الربوبية وخصّت ، كذلك عمّت العبودية وخصّت في قوله : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ، وذلك عموم في العبودية وفي قوله : وَعِبادُ الرَّحْمنِ وذلك خصوص في العبودية ، وفي قوله : عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ وذلك تشخيص ذلك الخاصّ . فعلى وجهي الربوبية والعبودية خصوص وعموم ؛ سواء نسبت الربوبية إلى الخلق أو أضيفت العبودية إلى الربّ تعالى . ولقد كان واحد من أهل العلم يدّعي العلم بالتفسير ، فقال أمير المؤمنين عليّ - رضي اللّه عنه - : « من إله المؤمن والكافر ؟ » قال : اللّه . قال : « صدقت » ثمّ قال له : « من مولى المؤمن والكافر ؟ » قال : اللّه ، قال : كذبت ، ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ فامتحنه بالعموم والخصوص ؛ فلمّا لم يهتد إلى ذلك أفحمه وأعلمه أن لا علم له بالقرآن ؛ وسيأتي في التفسير إشارات إلى أسرار العموم والخصوص ؛ وكيفية إضافة الخير والشرّ إلى القدر إضافة العموم والخصوص ؛ وذلك هو العلم المكنون والسرّ المدفون لا يعلمها إلّا العالمون . وأمّا المحكم والمتشابه ، فاعلم أنّ القسمة الأولى على الآيات في القرآن هي قسمة المحكم والمتشابه . قال اللّه تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ واختلف المفسّرون في المحكمات ما هي ، والمتشابهات ما هي كما يأتي في التفسير . ومن العجب أنّ المحكمات والمتشابهات عندهم قد صارت من المتشابهات ، حيث لم يتبيّن تفسيرها على اليقين ! ثمّ التأويل إنّما يطرق إلى المتشابه منها لا إلى المحكم ؛ لأنّه قال : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ . والذي عليه أهل التحقيق من العلماء - كثّرهم اللّه - أنّ الآيات قد انقسمت إلى آيات خلقية وآيات أمرية ، ثمّ الآيات الخلقية انقسمت إلى آيات محكمة مفروغة لا تتبدّل ولا تتغيّر ، وهي في ذواتها كاملة لا نقص فيها ، مقدّسة لا عائبة عليها ؛ وإلى آيات متشابهة مستأنفة يتطرّق إليها التغيير والتبديل ؛ وهي ناقصة متوجّهة إلى الكمال ؛ فكذلك الآيات