محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

48

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

القاعدة لم يتعلّق من القرآن بالسمع والحديث إلّا أسباب النزول فقط ، والباقون قد فسّروا القرآن برأيهم إمّا نظرا في الأصول ، وإمّا اجتهادا في الفروع . ولو تدبّر متدبّر آيات القرآن لم يجد فيها آية واحدة يستغنى فيها عن خبر وتوقيف ، وإلّا فيكون التفسير والتأويل فيها على ظنّ وحسبان . وإنّ الفارقين بين التفسير والتأويل لمّا لم يذكروا أقسام التفسير وأقسام التأويل لم يتحقّق ببيانهم الفرق بينهما ، فلربّما لا يتقابل قسمان منهما ؛ فلا يكون الفرق بينهما صحيحا ؛ وقد وضع بعضهم التنزيل والتأويل متقابلين ، ووضع بعضهم الظاهر والتأويل متقابلين ، ووضع بعضهم الظاهر والباطن متقابلين ، والتفسير والتأويل متقابلين . وقد يتّفق اللفظان في المعنى ؛ فيكون التفسير تأويلا والتأويل تفسيرا ، والظاهر باطنا والباطن ظاهرا . وقد يختلف اللفظان في المعنى ؛ فيكون التفسير غير التأويل ، مثل قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ . ولنذكر هاهنا أقسام التأويل بعد تحقيق معناه . فما قيل فيه إنّه مشتقّ من « الأول » وهو الرجوع ، فهو صحيح ؛ وعليه العامّة ؛ وقد قيل فيه إنّه مشتق من « الأوّل » المقابل « 1 » للآخر . فقال بعض كبار الأئمة - رضي اللّه عنهم - : « التأويل ردّ الشيء إلى أوّله ، كما أنّ التأخير دفعه إلى آخره . » وهذا كلام متين ، أسلوبه كلام النبوّة ؛ ولمّا كان مآل كلّ شيء إلى أوّله ، قيل فيه إنّه تأويله ، وإنّه مشتقّ من الأول وهو الرجوع . ثمّ التأويل المذكور في القرآن على أقسام : منها تأويل الرؤيا بمعنى التعبير : هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ ؛ ومنها تأويل الأحاديث : وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ؛ ومنها تأويل الأفعال : ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ « 2 » عَلَيْهِ صَبْراً ؛ ومنها الردّ إلى العاقبة والمآل : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ؛ ومنها الردّ إلى اللّه والرسول : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ؛ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ومنها تأويل المتشابهات : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما

--> ( 1 ) . س : المقاتل . ( 2 ) . س : لم يستطع .