محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

38

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الفصل الخامس في ما يستحبّ لقارئ القرآن ويكره له في الاستعاذة ممّا يستحبّ للقارئ أن يتمسّك بالقراءات المشهورة المأثورة عن الصحابة والتابعين والقرّاء المعروفين ، ولا يجاوزها البتّة إلى شيء من اختراعاته أو الشواذّ من قراءات المتكلّفين ، وإن احتملت المعاني وصحّت في وجوه الإعراب . ويستحبّ له أن يتخيّر « 1 » منها أفصحها لفظا ، وأجمعها معنى ، وأحسنها نظما واتّساقا ، وأجودها لغة وإعرابا ، دون المستبشع الوحشي الذي لا يعرفه بعض فحول القرّاء فضلا عن العوام ، كعنعنة تميم ، وكسكسة ربيعة 177 وغيرها من غريب الروايات ؛ فلا يبدل الهمزة عينا في قوله تعالى : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ فيقرأ « عن يأتي » وهذه عنعنة تميم ، ولا يجعل كاف المؤنّث سينا في قوله تعالى : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا فيقرأ : « قد جعل ربّس تحتس سريّا » وهذه كسكسة ربيعة ؛ وكذلك لا يقرأ بالشواذّ من القراءات التي لا تصحّ طرقها ، ولا تؤثر روايتها إلّا أن يريد الوقوف عليها علما ، دون الأخذ بها قراءة ، بل ينبغي أن يلزم الواضح الشهير من القراءات والمأمون المعتمد من الروايات ، والنمط الأوسط في الترتيل ( 15 ب ) ، والحدّ الأقرب من الخفض والجهر ، لا يهذّه 178 هذّ الشّعر ، ولا ينثره نثر الدّقل 179 ، ولا يجهر جهرا مجهدا يقشعرّ منه جلد المستمع ، وينفر قلبه عنه ، ولا يخفض خفضا يخفي قراءته على من يقرب منه ، ولكن يحافظ على خير الأمور ، وهي أوساطها ، متمثّلا ما أمر اللّه به ونهى عنه نبىّ - صلّى اللّه عليه وآله - : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا . ويروى عنه - عليه السلام - أنّه مرّ بأبي بكر ، وهو يخافت ، فقال : « ارفع شيئا » ، ومرّ بعمر وهو يجهر فقال : « اخفض شيئا » . 180 ويروى عن سعيد بن جبير أنّه قال : « اقرؤوا القرآن ضياء منه ولا تنطعوا . » 181 ويستحبّ له إذا حقّق « 2 » القرآن أن لا يجهد نفسه في التحقيق حتّى يجاوزه إلى الإفراط

--> ( 1 ) . س : يخير . ( 2 ) . س : خفف .