أبي عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني

مقدمة 8

الوجوه والنظائر لالفاظ كتاب الله العزيز

ومنها ما هو في أحكام الجوارح ؛ ومنها ما يتقدّم ، ومنها ما يتأخّر ويكون ناسخا له - وكان النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - يبيّن المجمل ، ويميّز الناسخ من المنسوخ ، ويعرّفه أصحابه فعرفوه ، وعرفوا سبب نزول الآيات ، ومقتضى الحال منها منقولا عنه . ونقل ذلك عن الصّحابة - رضوان اللّه عليهم أجمعين - وتداول ذلك التابعون من بعدهم ، ونقل ذلك عنهم ؛ ولم يزل ذلك متناقلا بين الصّدر الأوّل والسّلف ، حتّى صارت المعارف علوما ، ودوّنت الكتب ونقلت الآثار فيه عن الصّحابة والتابعين ، وانتهى ذلك إلى الطبرىّ والواقدىّ والثعلبي ، وأمثال هؤلاء من المفسّرين ، فكتبوا فيه ما شاء اللّه أن يكتبوه من الآثار . . ثم صار التفسير على صنفين : صنف نقلىّ - مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف ؛ وهي معرفة الناسخ والمنسوخ ، وأسباب النّزول ، ومقاصد الآي ، وكلّ ذلك لا يعرف إلّا بالنّقل عن الصّحابة والتابعين . والصّنف الآخر من التفسير وهو : ما يرجع إلى اللّسان في معرفة اللّغة والإعراب ، والبلاغة في تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب ؛ وهذا الصّنف من التفسير قلّ أن ينفرد عن الأوّل ؛ إذ الأوّل ( أي التفسير النقلي ) هو المقصود بالذّات ، بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة . . . ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفنّ من التفاسير كتاب الكشّاف للزمخشرىّ من أهل خوارزم العراق » « 1 » . والمهتمون بالدّراسات الإسلاميّة يلاحظون فعلا مدى تباين هدف العلماء من تفسير القرآن الكريم ؛ فبعضهم يعظم اهتمامه بالناحية اللّغويّة ؛ وبعضهم تشتدّ عنايته بالأحكام الشّرعيّة ؛ وفريق ثالث يميل إلى جمع الأقوال حسبما يتيسّر له من طرق الإسناد ، وهذا المنهج يعرف باسم التفسير بالمأثور . بينما نرى جماعة من العلماء يهتمّون بالألفاظ القرآنيّة الغريبة التي وردت في القرآن الكريم ويندر استعمالها بين المتحدّثين بلغة الضّاد .

--> ( 1 ) انظر ( مقدمة ابن خلدون 553 - 554 ) .