عبد القاهر الجرجاني

74

درج الدرر في تفسير القرآن العظيم

جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بلغوا عنّي ولو آية ، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب عليّ متعمدا فيتبوأ مقعده من النار » . « 1 » لكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد ، كالذي يرد في أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم وعدّتهم ، وعصا موسى من أي الشجر هي ، وأسماء الطيور التي أحياها اللّه تعالى لإبراهيم ، . . . إلى غير ذلك مما أبهمه اللّه تعالى في القرآن مما لا فائدة من تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم . وقد شحنت كتب التفسير بالمأثور وغيرها بالأحاديث الإسرائيلية . والمؤلف رحمه اللّه تعالى من الذين أولعوا بهذه الإسرائيليات إلى حد كبير ، فنجدها كثيرة في ثنايا الكتاب ، وتكون على أشكال متعددة ، منها ما هو على شكل أقوال للنبي عليه السّلام ، ومنها ما هو على شكل أقوال للصحابة ، ومنها ما هو على شكل قصة مختلقة لا يقبلها العقل ، ومن هذه الأشكال التي يوردها : 1 - أن يوردها على شكل حديث للنبي عليه السّلام : مثال ذلك ما يذكره عند تفسير قول اللّه تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ( 83 ) [ الكهف : 83 ] ، يقول : « عن عقبة بن عامر قال : كنت أخدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فخرجت من عنده ، فوجدت ناسا من أهل الكتاب معهم كتب ومصاحف ، قالوا : استأذن لنا على محمد رسول اللّه ، قال : فدخلت ، فأخبرته بمكانهم ، قال : « ما لي ولهم يسألونني عما لا أعلم ، وإنما أنا عبد لا أعلم شيئا إلا ما علمني ربي ، أبغني وضوءا » ، فتوضأ ، ثم دخل في مصلى بيته ، فصلى ركعتين ، فلم ينصرف حتى رأيت البشر في وجهه ، فقال : « اخرج إليهم ، فأذن لهم ، وانظر من كان بالباب من أصحابي ، فأدخله » ، فلما دخلوا قال : « إن شئتم أنبأتكم بالذي جئتم له ، وإن شئتم سألتموني فأخبركم » ، قالوا : بل أخبرنا لأي شيء جئنا ؟ وعن أي شيء نسألك ؟ قال : « جئتموني تسألونني عن ذي القرنين ، وكيف كان أوّل شأنه ؟ فقال : وسأخبركم ما تجدونه في كتابكم إن شاء اللّه ، إنه غلام من الروم ، فأتى ساحلا من سواحل مصر ، فبنى له مدينة ، يقال لها : الإسكندرية ، فلما فرغ من بنائه بعث اللّه إليه ملكا ، فرفعه إلى السماء ، فقال له : انظر ما ترى ؟ فقال : أرى مدينتي قد اختلطت في المدائن ، قال : ثم رفعه ، فقال : انظر ما ترى ؟ قال : أرى مدينتي وحدها ، ولا أرى غيرها ، قال : هذه التي ترى الدنيا ، والمدير بها البحر الأخضر ، قيل له : فاذهب فحدث العالم ، وعلم الجاهل ، قد جعل اللّه لك سلطانا ، فانطلق حتى أتى مغرب الشمس ، أتى مطلعها ، وأتى الدين ، وهو جبلان زلقان يزل عنهما كل شيء ، فبناهما ، ثم أتى يأجوج ومأجوج ، ثم جاوزهما ، فأتى على قوم قصار يقاتلون يأجوج ومأجوج ، ثم جاوزهم ، فوجد أمة من الغرانيق يقاتلون القوم الذي وجوههم على وجوه الكلاب ، ثم جاوزهم ، فوجد أمة من الحيّات ، الحية الواحدة تلتقم الصخرة العظيمة ، ثم جاوزها حتى انتهى إلى البحر المستدير بالدنيا . فقالوا :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصحيح ( 3461 ) ، والترمذي في السنن ( 2669 ) ، وابن حبان في الإحسان ( 6256 ) .