عبد القاهر الجرجاني
68
درج الدرر في تفسير القرآن العظيم
ويتم قوله في المعنى اللغوي : « وتسمى كتابة ما هو في كتاب سابق نسخا مجازا ، وكذلك تسمى نقلا ، وحقيقة النقل ما يكون به فراع محلّ لشغل محلّ » « 1 » . وعرّف النسخ أنه : « إزالة ما سبق في كونه صلاحا في وقت دون وقت بما سبق في كونه صلاح في الوقت الأول صلاحا في الوقت الثاني » « 2 » . فهذا التعريف جاء به المؤلف في معرض رده على اليهود والإمامية ، ليفرق بين النسخ والبداء ، فركز في تعريفه على أن علم اللّه تعالى عام في الحكم الأول الذي جاء النسخ عليه يعلم أنه ينتهي في هذا الوقت ، وأنه صالح لهذا الوقت الذي حدده اللّه تعالى ، وليس صالحا لأن يستمر ، وإنما يستمر مدة من الزمن ، ينتهي عند موعد نزول الحكم الآخر الذي يبدأ من هذا الوقت الذي انتهى عنده الحكم الأول ، وأن الحكم الثاني صالح لهذا الوقت ، وكذلك صالح للاستمرارية ، فهو في علمنا ، نحن البشر ، أنه استجد حكم بعد حكم وبدا لنا فيه أمر ، أما في علم اللّه تعالى فهو معلوم في الأزل . وعرف البداء بأنه فيعرفه ليبين أنه غير النسخ ، فالبداء : « هو الاستدراك عند اتّضاح الملتبس . تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا » . « 3 » فالبداء هو عندما يتضح عند صاحبه أمر شيء جديد ليس في معلومه ، فإنه يبدل ويحول فيما كان يريد أن يقوم به ، بسبب ما اتضح واستجد لديه من أمور كانت خافية عليه من قبل . وهذا لا ينطلق على علم اللّه تعالى ، فاللّه تعالى عالم علما كاملا بكل شيء ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون . وقد أثبت النسخ من الناحية العقلية والنقلية : أولا - الناحية النقلية : أثبت النسخ بأدلة من القرآن الكريم ، هي « 4 » : 1 - قول اللّه تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] ، ووجه الاستدلال « نسخ الخلق بالخلق لا يؤدّي إلى البداء فكذلك نسخ الأمر بالأمر » . 2 - قول اللّه تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [ النحل : 101 ] . 3 - قول اللّه تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ( 39 ) [ الرعد : 39 ] . وكلتا الآيتين استشهد بهما في معرض رده على اليهود والإمامية . لكنه لم يذكر أدلّة في جواز النسخ من السنة النبوية المطهرة . إلا أنه ذكر أمثلة من الأمم السابقة على جواز النسخ ، ومن هذه الأمثلة : 1 - تزويج آدم أولاد صلبه بعضهم من بعض .
--> ( 1 ) ينظر : الفصول في الأصول 2 / 196 ، وأصول السرخسي 2 / 53 . ( 2 ) الأصل ( 26 ظ ) . ( 3 ) الأصل ( 26 و ) . ( 4 ) ينظر : الأصل ( 26 و ) .