عبد القاهر الجرجاني
20
درج الدرر في تفسير القرآن العظيم
الضعيفة ، بل والموضوعة كذلك . والملحوظة العامّة المهمّة أنّه لا يذكر إسناد الحديث ، فيكتفي بذكر المتن ، ولا يذكر درجة الحديث أو مصدره من كتب الحديث ، وقد يعتمد في تفسيره لآية على حديث ضعيف أو موضوع ، فيبني عليه آراء معيّنة ، مستندا في ذلك على ما أورده من قول الإمام أحمد بن حنبل رحمة اللّه عليه ، مبرّرا استشهاده بهذه الأحاديث الضعيفة ، فعن أحمد بن حنبل قال : إذا روينا عن رسول اللّه في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشدّدنا في الأسانيد ، وإذا روينا في فضائل الأعمال ، وما لا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد . « 1 » وأظنّ أنّ الإمام أحمد لم يرد بهذه المقولة الأحاديث الضعيفة المتهالكة التي لا تجبّر ، أو الأحاديث الموضوعة المختلقة على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكنّه أراد الأحاديث التي يمكن أن تجبر بغيرها سواء بالمتابعة أو الشواهد ، فهذا القول ليس مبرّرا أن يورد هذه الكثرة من الأحاديث الضعيفة والضعيفة جدّا والموضوعة ، وهذه آفة كثير من المفسرين . ونجد أنّ أسلوبه في ذكر الأحاديث النبويّة المطهّرة في التفسير جاء على النحو الآتي : 1 - يذكر الحديث بشكل مباشر لمعنى الآية ، إذ يذكر الآية في ضمن الحديث ، والمثال عليه : في سورة هود عليه السّلام يقول : « عن أبي موسى ، عنه عليه السّلام : أنّ اللّه تعالى يملي للظّالم ، أو قال : يمهل ، حتى إذا أخذه لم يفلت ، ثم قرأ : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ . . . الآية [ هود : 102 ] » . « 2 » 2 - يستشهد بحديث على معنى استنبطه من معنى آية : مثال ذلك عند تفسير قوله تعالى : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [ آل عمران : 132 ] ، يقول : « إنما ذكر الرسول ليعلم أن أوامره شريعة واجبة ، وإن لم ينطق بها الكتاب لتقرير اللّه ذلك بتبقية إعجازه ، وقد تواترت الأخبار أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أوتيت القرآن ومثله مرتين » « 3 » » . 3 - يستشهد بحديث على معنى بلاغي ، وهو الحذف ، في الآية : ففي تفسير قوله تعالى : عَرْضُهَا السَّماواتُ [ آل عمران : 133 ] ، يقول : « أي : كعرض السماوات ، وإنما حذف لعدم الإيهام ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( الضبع نعجة سمينة ) « 4 » » . 4 - يستشهد بالحديث على معنى عام يمكن أن يؤخذ من الآية ، فبعد أن يعطي معنى ( المرابطة ) في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ آل عمران : 200 ] إذ يقول : « والظاهر من الرباط ارتباط الخيل ، ولكنه يستعمل في كل ما يلزم ويثبت » فيستشهد بالحديث بقوله : « وفي الحديث : ألا أدلكم ما يمحو اللّه به الخطايا ، ويرفع به
--> ( 1 ) درج الدرر 358 . ( 2 ) درج الدرر 29 . ( 3 ) جزء من حديث المقدام بن معدي كرب الكندي أخرجه الإمام أحمد ( 17173 ) ، وأبو داود في السنن ( 4604 ) ، والطبراني في مسند الشاميين ( 1061 ) . ( 4 ) وهو قول عكرمة في الأوسط 2 / 312 ، وعن أبي هريرة أنه سئل عن الضبع فقال : نعجة من الغنم ، ينظر : مصنف ابن أبي شيبة 5 / 118 ، والمحلى 7 / 402 ، والسنن الكبرى للبيهقي 9 / 319 .