عبد القاهر الجرجاني
17
درج الدرر في تفسير القرآن العظيم
المبحث الأول التفسير بالمأثور المطلب الأول تفسير القرآن بالقرآن عندما يقبل العالم على تفسير كتاب اللّه تعالى ، فإنّ عليه في المقام الأوّل أن ينظر في آيات القرآن الكريم نفسها ، لأنّ آيات القرآن الكريم يفسّر بعضها بعضا ، ويوضّح بعضها الآخر ، فإنّ القرآن الكريم قد اشتمل على الإيجاز والإطناب ، والإجمال والتبيين ، والإطلاق والتقييد ، والعامّ والخاصّ ، وما أوجز في مكان فقد بسط في مكان آخر . وكذلك نجد في قصص القرآن تأتي القصة في مكان مختصرة ، ثمّ تفصّل في موضع آخر ، وقد يذكر في مكان جزء منها لا يذكر في المكان الآخر ، فعندما تجمع الآيات تعطي صورة واضحة لهذه القصّة أو تلك . يقول ابن تيمية رحمه اللّه تعالى : « إنّ أصحّ الطرق في ذلك : أن يفسّر القرآن بالقرآن ، فما أجمل في مكان ، فإنّه قد فسّر في مكان آخر ، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر » « 1 » ، فهو كتاب اللّه تعالى المعجز ، أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 ) [ النساء : 82 ] . فإذن ينبغي على المفسّر عندما يفسّر آية من القرآن أن يستذكر الآيات الأخرى في موضوعها ويستحضرها ، فقد يحتاج إلى بعضها ، لتوضيح معنى الآية التي هو بصددها . وهذا يتطلّب منه أن يكون متمكّنا من القرآن الكريم ، وتعبيره عن الموضوع الواحد في عدّة سور ، إذ إن من طبيعة القرآن في عرض موضوعاته أنّه لا يعرض الموضوع الواحد في موضع واحد ، وسورة واحدة ، وإنّما يوزّعه على سور ومواضع متعددة ، لحكم تربوية وتشريعية ، . . . . ونجد المؤلّف رحمه اللّه تعالى قد اهتمّ بهذا النوع من التفسير كثيرا ، واعتمد عليه اعتمادا كبيرا ، فقد أكثر من ظاهرة الاستشهاد بالآيات الكريمة لبيان معاني القرآن الكريم ، وقد نوّع أساليبه على أشكال متعددة منها : 1 - يفسّر آية بآية أخرى : ففي تفسيره لقول اللّه تعالى : فِي جَوِّ السَّماءِ [ النحل : 79 ] ، يفسّرها بالهواء ، ويقول : « مجملة تفسيرها : صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ [ الملك : 19 ] » « 2 » . وعند
--> ( 1 ) مقدمة في أصول التفسير 45 . ( 2 ) درج الدرر 129 .