مكي بن حموش

8278

الهداية إلى بلوغ النهاية

ثم قال تعالى : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ . أي : أيظن هذا القائل ( إني ) « 1 » أنفقت مالا كثيرا في عداوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه ؟ ! وإنما قال ذلك تندما على أن أنفق . وقيل : قاله افتخارا « 2 » . ثم قال تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ . أي : ألم نجعل لهذا القائل : " أهلكت مالا لبدا " ، عينين يبصر بهما حجج اللّه عليه ، ولسانا وشفتين نعمة من اللّه عليه ؟ ! قال قتادة : نعم اللّه متظاهرة عليك ، يعرفك بها كيما تشكر « 3 » . ثم قال تعالى : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ . أي : الطريقين « 4 » : طريق الخير وطريق الشر ، كقوله : إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً « 5 » . هذا قول ابن مسعود « 6 » . وقال « 7 » ابن عباس : النَّجْدَيْنِ : الهدى والضلال « 8 » . وهو معنى قول مجاهد

--> ( 1 ) ساقط من أ . ( 2 ) قيل في بعض الروايات إن الحارث بن عامر بن نوفل كان إذا أذنب استفتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيأمره بالكفارة ، فقال : لقد أهلكت مالا لبدا في الكفارات والتبعات منذ تبعت محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم . انظر البحر 8 / 475 . وهذه الرواية تختلف على التي سبقت من حيث إنها تتحدث عن شخص آخر ، مع أن الظاهر من الآيات هو الحديث عن شخص واحد . وإنما أوردت هذه الرواية هانا على ما تطرحه من اختلاف ، لأني رأيت مكيا يجمع هاهنا بين معنيين : - الأول أنه أنفق في عداوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذا يناسبه أن يكون مستطيلا به مفتخرا ، وهذا المعنى احتمله الماوردي في تفسيره 4 / 458 . - الثاني : أنه أنفق في الكفارات ، وهذا يناسبه أن يكون متندما . ( 3 ) انظر جامع البيان 30 / 199 ، وفيه : " يقررك بها " بدل : " يعرفك بها " ، وفي الدر 8 / 521 : " يقررنا بها كيما نشكر " . ( 4 ) ث : الطريقتين . ( 5 ) الإنسان : 3 . ( 6 ) انظر جامع البيان 30 / 199 ، والفتح 8 / 704 . ( 7 ) أ : وقاله . ( 8 ) ث : والضلالة . وانظر جامع البيان 30 / 200 .