مكي بن حموش

5976

الهداية إلى بلوغ النهاية

لأنه قال تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ، وأصحاب المشئمة المكذبين الضّالين لم يورثوا كتابا ، ولا اصطفاهم اللّه ولا اختارهم ، وقد أخبرنا في هذه السورة أنه إنما أورث الكتاب من اختاره واصطفاه . فالظالم لنفسه ليس هو من أصحاب المشئمة ، والثلاثة الأصناف في " الواقعة " يراد بها جميع الخلق من الأولين والآخرين ، [ 321 / 322 أ ] والثلاثة الأصناف في هذه السورة في أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة لقوله : / أَوْرَثْنَا الْكِتابَ ولقوله : الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ، ولما نذكره من قول الصحابة والتابعين ، وما روي في ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . من ذلك قول ابن عباس ، قال : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا أي : الذين اخترنا من عبادنا ، قال : معناه اخترنا منهم ، فالظالم لنفسه هو الذي يموت على كبيرة لم يتب منها ، والمقتصد هو الذي مات على صغائر - ولم يصب كبيرة - لم يتب منها ، والسابق هو الذي مات تائبا من كبيرته وصغيرته ، أو لم يصب ذلك فيحتاج إلى توبة . ولا يسلم من الصغائر واحد إلّا يحيى بن زكريا ، فأمّا الكبائر فالأنبياء معصومون منها ، وسائر الخلق غير معصومين منها إلّا من شاء اللّه أن يعصمه . ومعنى " اصطفينا " : اخترنا منهم ، يعني أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أورثهم اللّه تعالى كل كتاب أنزله ، فظالمهم يغفر له ، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا ، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب . وروى أبو الدرداء : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " يجيء هذا السّابق بالخيرات فيدخل الجنّة بلا حساب ، ويجيء هذا المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ، ثمّ يتجاوز اللّه عنه ، ويجيء هذا الظّالم فيوقف ويعيّر ويجزى ويغرّف ذنوبه ثمّ يدخله اللّه الجنّة بفضل رحمته