مكي بن حموش
5920
الهداية إلى بلوغ النهاية
أي ما كان لإبليس على أصحاب الجنتين وغيرهم ممن اتبعه من حجة يضلهم بها إلا سلطناه عليهم لنعلم من يطيعه فينكر الجزاء والبعث ممن يعصيه فيؤمن بالجزاء والبعث ، وذلك أمر قد علمه اللّه جل ذكره ، ولكن المعنى : لنعلم ذلك علم مشاهدة ، فعليها يقع الجزاء والثواب . [ 307 / 308 أ ] وقيل : المعنى : إلا لنعلم ذلك عندكم كما قال : أَيْنَ شُرَكائِيَ « 1 » ، أي على / قولكم وزعمكم « 2 » . فقوله : " إلا لنعلم " ليس في الظاهر بجواب لقوله : وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ أي : من حجة لكنه محمول على المعنى ، لأن معنى وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ : ما جعلنا له عليهم من سلطان إلا لنعلم . فبهذا يتصل بعض الكلام ببعض ويظهر المعنى . ثم قال تعالى : وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ أي : وربك يا محمد على أعمال هؤلاء الكفرة وغير ذلك من الأشياء كلها حفيظ لا يغرب عنه علم شيء ، مجاز جميعهم بما كسبوا ، أي في الدنيا من خير وشر . ثم قال تعالى : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي : قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين من قومك : ادعوا من زعمتم أنه شريك للّه فاسئلوهم يفعلوا بكم بعض ما فعل بهؤلاء الذين تقدم ذكرهم من خير ونعمة فإنهم لا يملكون زنة مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ أي : فليس يملكون شيئا على الانفراد ولا على الشركة ، فكيف يكون من هذه حاله شريكا لمن يملك جميع ذلك ، وإذا لم تقدر ألهتكم على شيء من ذلك ، فأنتم مبطلون في دعواكم . فمفعول زعمتم جملة محذوفة دل عليها الخطاب ، والتقدير : الذين زعمتم أنهم ينصرونكم من دون اللّه ،
--> ( 1 ) القصص : آية 62 . ( 2 ) انظر : إعراب النحاس 3 / 344 .