مكي بن حموش
5612
الهداية إلى بلوغ النهاية
على شكر نعمه عندكم . ثم قال تعالى : وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ أي : إن تكذبوا أيها الناس محمّدا فيها دعاكم إليه ، فقد كذب جماعات من قبلكم رسلها فيما أتتهم به من الحق ، فحلّ بهم سخط اللّه ، فكذلك سبيلكم سبيل الأمم فيما هو نازل بكم ، إذا كذبتم رسولكم . وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي : ما على محمد إلّا أن يبلغكم من اللّه رسالته الظاهرة لمن سمعها . ثم قال تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ أي : ألم ير هؤلاء المنكرون للبعث كيف يبدئ اللّه خلق الإنسان من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، ثم ينقله حالا بعد حال حتى أن يصير رجلا كاملا . فمن قدر على هذا فهو قادر على إعادة المخلوق بعد موته ، وذلك عليه هيّن لأن الإعادة عندكم أسهل من الابتداء ، إذ الابتداء كان على غير مثال والإعادة هي على مثال متقدم ، فذلك أسهل وأيسر فيما يعقلون . وقيل : معناه : كيف يبدئ اللّه الثمار وأنواع النبات فتفنى بأكلها ورعيها وشدّة الحرّ عليها ، ثم يعيدها ثانية أبدا أبدا ، وكيف يبدئ اللّه خلق الإنسان فيهلك ، ثم يحدث منه ولدا ، ثم يحدث للولد ولدا ، وكذلك سائر الحيوان يبدئ اللّه خلق الوالد ثم يعيد منه خلق الولد ، ويهلك الوالد ، وهكذا أبدا . . فاحتجّ اللّه عليهم بذلك لأنه أمر لا ينكرونه ، يقرون به فمن قدر على ما تقرون قادر على إعادته بعد موته ، وذلك أهون عليه فيما تعقلون ، وكل عليه هيّن « 1 » . ومعنى يَرَوْا : يعلموا .
--> ( 1 ) انظره في الجامع للقرطبي - مختصرا - 13 / 336 .