مكي بن حموش

5809

الهداية إلى بلوغ النهاية

قال قتادة : كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى اللّه أصحاب بدر من الكرامة والفضل فقالوا : لئن أشهدنا اللّه قتالا لنقاتلن ، فساق اللّه إليهم ذلك حتى كان ناحية المدينة « 1 » . ثم قال تعالى : قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ أي : قل لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئا ، لا بد لكم مما كتب عليكم . وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي : لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئا بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم ، لا تجاوزوه ، هو قليل لأن الدنيا كلها متاع قليل ، فما بقي من أعماركم أقل من القليل . ثم قال تعالى : قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ أي : يمنعكم من اللّه إن أراد بكم سوءا في أنفسكم أو عاقبة وسلامة ، فليس الأمر إلا ما قدر اللّه . ثم قال : وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً أي : لا يجدون لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر اللّه عليهم من سوء ، ولا نصيرا ينصرهم مما أراد بهم . ثم قال تعالى : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ أي : قد يعلم اللّه الذين يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول اللّه في حضور الحرب . وهو مشتق من عاقني عن كذا ، أي صرفني عنه ومنعني ، وعوق على التكثير لعاق فهو معوّق « 2 » .

--> ( 1 ) انظر : جامع البيان 21 / 137 ، والدر المنثور 6 / 580 . ( 2 ) جاء في اللسان ، مادة " عوق " 10 / 279 ، - 280 : " عاقه عن الشيء يعوقه عوقا : صرفه وحبسه ، ومنه التعويق والاعتياق . . . ، والتعويق : تربيث الناس عن الخير . . . والتعويق : التثبيط . وفي التنزيل : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ . المعوقون : قوم من المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك أنهم قالوا لهم : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وحزبه ، فخلوهم وتعالوا إلينا ! فهذا تعويقهم إياهم عن نصرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو تفعيل من عاق يعوق " .