أبي الحسن علي بن فضال المجاشعي
495
النكت في القرآن الكريم في معانى القرآن الكريم واعرابه
وفي حرف عبد اللّه انفضوا إليه « 1 » ، ففي القراءة الأولى عاد الضمير إلى التجارة وفي القراءة الثانية على اللهو ، وجاز أن يعود الضمير على أحدهما اكتفاء به ، وكأنه على حذف ، والمعنى : وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها ، وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه ، فحذف ( إليه ) لأن ( إليها ) يدلّ عليه « 2 » . قال الفراء « 3 » : إنما قال : إِلَيْها ؛ لأنّها كانت أهمّ إليهم ، وهم بها أسرّ من الطبل ؛ لأن الطبل إنما دلّ على التجارة ، والمعنى كله له . فصل : وممّا يسأل عنه أن يقال : لم قدّم التجارة على اللهو هاهنا ، وأخّرها في قوله : قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ والجواب : أن التّجارة هي المطلوبة ، والفائدة فيها ، واللهو لا فائدة فيه ، فأعلمهم أنهم إذا [ 101 / و ] رأوا تجارة وهي المرغوب فيها عندهم أو لهوا ولا فائدة فيه فينفضون ، وعجزهم بذلك وبكتهم لأنهم يعذرون في بعض الأحوال على التجارة ولا يعذرون على اللهو ؛ لأنه ليس مما يرغب فيه العقلاء كما يرغبون في التجارة ، ثم قال لنبيه عليه السّلام : قل لهم : قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ الذي لا فائدة فيه وَمِنَ التِّجارَةِ التي فيها الفائدة ، فأخر الأول هاهنا ليعلمهم أن ما عند اللّه خير مما لا فائدة فيه ومن الذي فيه فائدة ، والعرب تبتدي بالأدنى ثم تتبعه بالأعلى ، نحو قولهم : فلان يعطي العشرات والميئات والآلاف « 4 » . ومن سورة المنافقين قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [ المنافقون : 4 ] .
--> ( 1 ) ذكره الفراء في معاني القرآن : 3 / 157 . ( 2 ) ينظر مجاز القرآن : 2 / 258 ، ومعاني القرآن للأخفش : 1 / 81 ، وتأويل مشكل القرآن : 288 ، وإعراب القرآن للنحاس : 3 / 431 ، والصاحبي : 362 . ( 3 ) معاني القرآن للفراء : 3 / 157 . ( 4 ) ينظر المحرر الوجيز : 5 / 310 .