أبي الحسن علي بن فضال المجاشعي
477
النكت في القرآن الكريم في معانى القرآن الكريم واعرابه
والاستمتاع بأصناف الرياحين وما في الأشجار من الثمار الشهية ، وصنوف الفواكه اللذيذة ، فلا شيء أدعى إلى الخضوع والعبادة لمن أنعم بهذه النعمة الجليلة مما فيه مثل الذي ذكرنا في النجم والشجر . قوله تعالى : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [ الرحمن : 31 - 32 ] . يسأل عن معنى : سَنَفْرُغُ ؟ والجواب : أن معناه : سنعمل عمل من يتفرغ للعمل لتجويده من غير تصحيح فيه ، وهذا من أبلغ الوعيد وأشده ؛ لأنه يقتضي أن يجازى العبد بجميع ذنوبه ، وليس من الفراغ الذي هو نقيض المشتغل ؛ لأن اللّه تعالى لا يشغله شيء عن شيء « 1 » . والثقلان : الإنس والجن ، سميا بذلك لعظم شأنهما إلى ما في الأرض من غيرهما ، فهو أثقل وزنا لعظم الشأن بالعقل والتمكين والتكيف لأداء الواجب في الحقوق « 2 » . وممّا يسأل عنه أن يقال : لم كرّر في هذه السورة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * في عدة مواضع ؟ والجواب : أنه ذكر آلاء كثيرة ، فكرر التقرير ، ليكون كل تقرير لنعمة ، والعرب تكرر مثل هذه الأشياء للتوكيد ، نحو قولك : اعجل اعجل ، وتقول للرامي ارم ارم ، قال الشاعر : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم « 3 » وقال آخر « 4 » : هلّا سألت جموع كندة * يوم ولّوا أين أينا ؟ وقال الفرزدق « 5 » :
--> ( 1 ) ينظر معاني القرآن للفراء : 3 / 116 ، ومجاز القرآن : 2 / 244 ، وتأويل مشكل القرآن : 105 ، ومعاني القرآن وإعرابه : 5 / 78 . ( 2 ) معاني القرآن وإعرابه : 5 / 78 . ( 3 ) لم أقف على قائل هذا البيت ، وهو من شواهد المرتضى في أماليه : 1 / 84 ، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن : 17 / 160 . ( 4 ) البيت لعبيد بن الأبرص ، ديوانه : 28 ، وهو من شواهد الباقلاني في إعجاز القرآن : 106 . ( 5 ) البيت غير موجود في ديوانه المطبوع ، وهو في النوادر : 268 ، منسوبا إلى عمرو بن ملقط .