أبي الحسن علي بن فضال المجاشعي

343

النكت في القرآن الكريم في معانى القرآن الكريم واعرابه

قوله تعالى : فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [ الحج : 45 ] خاوية : خالية « 1 » ، وعروشها : سقوفها « 2 » ، هذا قول الضحاك ، والمشيد : المجصّص وهو المبني بالشّيد وهو الحجارة والجيار « 3 » ، قال قتادة : مشيد رفيع « 4 » ، قال عدي بن زيد « 5 » : شاده مرمرا وجلّله كل * سا فللطّير في ذراه وكور وقال آخر « 6 » : كحيّة الماء بين الطيّ والشيد وقد عاب قوم « 7 » من الملحدة قوله تعالى : وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ وقالوا : ما الفائدة في ذكر : بئر معطلة وقصر مشيد ، وأبدوا فيه وأعادوا ، وهذا لجهلهم بجوهر الكلام وغامض المعاني وإشارة البلاغة ؛ لأنّ اللّه تعالى ذكر هذا وما أشبهه على طريق العظة [ 62 / و ] ليعتبر بذلك ، ألا تراه تعالى قال : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها [ الحج : 46 ] ، يريد : لو ساروا لرأوا آثار قوم أهلكهم وأبادهم ، وما زالت العرب تصف ذلك في خطبها ومقامتها ، يروى عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه كان يقول في خطبته « 8 » : ( أين بانو المدائن ومحصنوها بالحوائط ، أين مشيدو القصور وعامروها ، أين جاعلو العجيب فيها لمن بعدهم ، تلك منازلهم خاوية ، وهذه منازلهم في القبور خالية هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [ مريم : 98 ] ) وكان سلمان إذا مر بخراب قال : يا خرب الخربين أين أهلك الأولون ؟ .

--> ( 1 ) العين : 4 / 318 ( خوى ) . ( 2 ) اللسان : 6 / 313 ( عرش ) . ( 3 ) ينظر مجاز القرآن : 2 / 53 ، وجامع البيان : 17 / 236 . ومعاني القرآن للنحاس : 4 / 420 . ( 4 ) النكت والعيون : 4 / 31 . ( 5 ) استشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن : 2 / 53 ، والطبري في جامع البيان : 17 / 239 ، والماوردي في النكت والعيون : 4 / 31 . ( 6 ) هو الشماخ بن ضرار الغطفاني . ديوانه : 25 ، وهو عجز بيت صدره : ( لا تحسبني وإن كنت امرأ غامرا ) . وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن : 2 / 53 ، وابن دريد في جمهرة اللغة : 2 / 271 . ( 7 ) أشار إلى هذا ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن : 9 - 10 . ( 8 ) تنظر الخطبة كاملة في : تاريخ الطبري : 2 / 461 ، والمعجم الكبير : 1 / 61 ، ومجمع الزوائد : 2 / 189 ، والدر المنثور : 6 / 201 .