أبي الحسن علي بن فضال المجاشعي

208

النكت في القرآن الكريم في معانى القرآن الكريم واعرابه

قوله تعالى : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ المائدة : 116 ] . يسأل عن معنى سؤاله تعالى لعيسى عليه السّلام ؟ وفيه جوابان : أحدهما : التّوبيخ لمن ادّعى ذلك عليه ، كما [ 29 / و ] يقرّر الرجل البريء بحضرة المدّعى عليه ليبكت المدّعي بذلك ، وهذا قول الزجاج « 1 » . والثاني : أن اللّه تعالى أراد أن يعرّفه أن قومه آل أمرهم إلى هذا الأمر العجيب المنكر ، وهذا على تأويل قول السّدي : أنّه قيل له هذا في الدّنيا « 2 » . فصل : ويسأل : هل قيل له هذا في الدّنيا ، أو سيقال له ؟ وفي هذا جوابان : أحدهما : أنه سيقال له يوم القيامة « 3 » ، وهو قول ابن جريج وقتادة والزجاج لقوله : هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [ المائدة : 119 ] . والثاني : أنّه قيل له ذلك حين رفعه اللّه تعالى إليه في الدّنيا ، وهو قول السّدي « 4 » ؛ لأن الفعل بلفظ الماضي ، ولا ينكر أن يأتي الفعل الماضي ومعناه الاستقبال في مثل هذا ، وقد جاء في القرآن منه مواضع كثيرة ، نحو قوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [ الأنعام : 27 ] وقال : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [ البقرة : 166 ] وقال : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] وقال : وَنادى أَصْحابُ النَّارِ [ الأعراف : 50 ] ، وهذا إنّما يأتي لصدق المخبر فيما يخبر ؛ لأنّه يصير في الثّبات والصّحة بمنزلة ما قد وقع .

--> ( 1 ) معاني القرآن وإعرابه : 1 / 180 . ( 2 ) جامع البيان : 7 / 183 ، والنكت والعيون : 2 / 87 . ( 3 ) إعراب القرآن للنحاس : 1 / 531 ، وبحر العلوم : 1 / 469 . وزاد المسير : 2 / 463 . ( 4 ) رجحه الطبري ينظر جامع البيان : 7 / 183 ، ومعاني القرآن للنحاس : 2 / 389 ، والنكت والعيون : 2 / 87 ، والمحرر الوجيز : 5 / 111 ، وتفسير السدي الكبير : 238 .