أبي النصر أحمد الحدادي
423
المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى
قال ابن عباس وابن مسعود رضي اللّه عنهما : إنّ اللّه تعالى لما ضرب المثلين في أول السورة : أحدهما قوله تعالى : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً « 1 » ، والثاني : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ « 2 » ، قالت اليهود وبعض الكفرة : إنّ هذا لا يشبه كلام الوحي ، فأنزل اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا . - وقال الحسن وقتادة : إنّ اللّه تعالى لما ضرب المثلين : أحدهما بالذباب ، والثاني بالعنكبوت ، قالت اليهود والكفرة : ما ذا أراد اللّه بضرب هذا ؟ فأنزل اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها « 3 » مثل الذباب والعنكبوت . - فلو جمعت بين قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً « 4 » ، وقوله تعالى : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً « 5 » ، وقوله : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ « 6 » ، وقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ، لكان كأنّه جلّ جلاله أخبر أنّ من الناس من يتخذ من دون اللّه أندادا ، ثم زجرهم ونهاهم بقوله : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ « 5 » أنّ اللّه خلق الأشياء ، ثم أخبرهم عن عجز آلهتهم ، ودلّهم على أنّ الآلهة ضعيفة أضعف من الذّباب . ومن عبدها طالبا منها النصرة والقوة ، كان مثله كعنكبوت اتخذت بيتا ليمنعها عن قرّ « 7 » وحرّ ، فكما أنّ بيت العنكبوت لا يغني عن حرّ وقرّ ، فكذلك الأصنام والأنداد التي اتخذوها آلهة لا تنفعهم ، ولا تغني عنهم من عذاب اللّه من شيء .
--> ( 1 ) سورة البقرة : آية 17 . ( 2 ) سورة البقرة : آية 19 . ( 3 ) سورة البقرة : آية 26 . ( 4 ) سورة البقرة : آية 165 . ( 5 ) سورة البقرة : آية 22 . ( 6 ) سورة العنكبوت : آية 41 . ( 7 ) القرّ : البرد .