الواحدي النيسابوري

43

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

وقوله : وَمَكَرَ اللَّهُ قال المفسّرون : « مكر اللّه بهم » : إلقاء شبه عيسى على من دلّ عليه ، حتّى صلب بدله « 1 » . قال ابن عبّاس : وذلك أنّ ( « 2 » واحدا من أصحابه « 2 » ) ، ممّن آمن به نافق ، ودلّ عليه ، فجعله اللّه تعالى في صورة عيسى ، فأخذ وصلب . وقوله : وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ : أي أفضل المجازين بالسّيّئة العقوبة ؛ ( « 3 » لأنّه لا أحد أقدر على ذلك منه « 3 » ) . 55 - قوله : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ : أي قابضك من الأرض وافيا تامّا ، من غير أن تنال اليهود منك شيئا . وهذا قول الحسن والكلبىّ وابن جريج « 4 » . وقال ابن عبّاس في رواية عطاء : هذا مقدّم ومؤخّر ، يريد : إنّى رافعك إلىّ ومتوفّيك ، بعد أن أهبطك إلى الأرض ، حتّى تكون فيها وتتزوّج ، ويولد لك حتّى تموت « 5 » . وهذا اختيار الفرّاء « 6 » قال : يقال : إنّ هذا مقدّم ومؤخّر . المعنى : إنّى رافعك إلىّ ومطهّرك من الّذين كفروا ، ومتوفّيك بعد إنزالي إيّاك إلى الدّنيا . وقوله : وَرافِعُكَ إِلَيَّ « 7 »

--> ( 1 ) قال الواحدي : وَمَكَرَ اللَّهُ : أي جازاهم اللّه على مكرهم بإلقاء شبه عيسى على من دل عليه ، حتى أخذ وصلب » : ( الوجيز في التفسير للواحدي 1 : 100 ) . ( 2 - 2 ) ب : « أحد أصحابه » . ( 3 - 3 ) الإثبات عن ج ، و ( الوجيز في التفسير للواحدي 1 : 100 ) . وقول المصنف في تفسير « المكر » قريب من قول الزجاج حيث قال : « المكر من الخلائق خبث وخداع ، والمكر من اللّه بمعنى المجازاة على ذلك ، فسمى باسمه لأنه مجازاة عليه ، كما قال تعالى : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ سورة البقرة : 15 ] ، فجعل مجازاتهم على الاستهزاء بالعذاب ، لفظه لفظ الاستهزاء ، وكما قال سبحانه : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ سورة الشورى : 40 ] ، فالأولى سيئة ، والمجازاة عليها ليست في الحقيقة سيئة » ( معاني القرآن للزجاج 1 : 424 ) . ( 4 ) كما في ( تفسير القرطبي 4 : 100 ) و ( تفسير ابن كثير 2 : 38 ) و ( الدر المنثور 2 : 46 ) و ( تفسير غريب القرآن لابن قتيبة 106 ) و ( تفسير الطبري 6 : 458 ) وعلى هذا القول ليست الوفاة في الآية وفاة موت ، إنما هي من التوفى بمعنى القبض . ( 5 ) ( تفسير القرطبي 4 : 100 ) وفي ( الدر المنثور 2 : 225 ) عن قتادة أيضا ، وانظر تفصيل ذلك في ( تفسير ابن عطية 3 : 143 ) . ( 6 ) وكذا الزجاج ، كما في ( معاني القرآن للفراء 1 : 219 ) و ( معاني القرآن للزجاج 1 : 425 ) . ( 7 ) ( الوجيز للواحدي 1 : 100 ) وحاشية ج : « قوله : إِلَيَّ : أي إلى سمائي ، ومحل كرامتي ، فجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم ، كقوله : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [ سورة الصافات : 99 ] ، والحال أنه ذاهب إلى الشام ، والمعنى إلى أمر ربى » .