الواحدي النيسابوري
369
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
وقوله : أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي : لأن آتاه اللّه . يريد : بطر « 1 » الملك حمله على محاجّة إبراهيم . قال ابن عباس : إنّ إبراهيم دخل بلدة نمروذ ليمتار ، فأرسل إليه « 2 » نمروذ ، وقال : من ربّك ؟ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، قالَ نمروذ : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ : أقتل من شئت ، وأستحيى من شئت ؛ فسمّى ترك القتل إحياء « 3 » ، وعارضه في الحجّة بالعبارة ، دون فعل حياة أو موت على سبيل الاختراع . وقرأ نافع « أَنَا » بإثبات ألف بعد النّون « 4 » ؛ وذلك إنّما يجوز في الوقف دون الوصل ، ولكنّه أجرى الوصل مجرى الوقف ، وأثبت الألف ، كما أنشد الكسائي : أنا سيف العشيرة فاعرفونى * حميد قد تذرّيت السّناما « 5 » فاحتجّ إبراهيم بحجّة مسكتة لا يمكنه أن يقول : أنا أفعل ذلك ؛ وهو قوله : قالَ إِبْراهِيمُ : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ أي : تحيّر وأسكت وانقطعت حجّته . يقال : بهت الرجل فهو مبهوت « 6 » ؛ إذا تحيّر . قال عروة : فما هو إلّا أن أراها فجاءة * فأبهت حتّى ما أكاد أجيب « 7 »
--> ( 1 ) « البطر : الطغيان عند النعمة وطول الغنى » : ( اللسان - مادة : بطر ) . ( 2 ) ب : « ليمتار فأرسل اللّه إليه . . » . « الميرة : الطعام يمتاره الإنسان . وقد مار أهله يميرهم ميرا ، والامتيار مثله » كما في ( اللسان - مادة : مير ) . ( 3 ) حاشية ج : « قال في الكواشى : فعمد إلى رجلين فقتل أحدهما وترك الآخر ، فجعل ترك القتل إحياء » . ( 4 ) وكذا أبو جعفر - وذلك إذا كان بعدها همزة مفتوحة أو مضمومة ؛ وقرأ الباقون بحذف الألف ، وأجمعوا على إثباتها في الوقف . انظر ( تفسير البحر المحيط 2 : 288 ) و ( إتحاف البشر 162 - 163 ) . ( 5 ) هذا البيت في ( تفسير القرطبي 3 : 287 ) وفي ( اللسان - مادة : أنن ) برواية : « جميعا قد تذريت السناما » حاشية ج : « تذريت من الذروة . يقال : تذريت السناما ؛ أي : علوته » . ( 6 ) « قال الواحدي : وفيه ثلاث لغات : بهت الرجل فهو مبهوت ، وبهت [ بفتح الباء المعجمة وضم الهاء ] ، وبهت [ بفتح الباء وكسر الهاء ] » . كما في ( الفخر الرازي 2 : 337 ) وانظر ( مجاز القرآن لأبى عبيدة 1 : 79 ) . ( 7 ) هذا البيت لعروة العذرى ، كما في ( الفخر الرازي 2 : 337 ) وفي ( أساس البلاغة - مادة : بهت ) برواية « وما هي . . . » .