الواحدي النيسابوري

315

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

فحدّثهم اللّه في كتابه : أنّ القتال في الشّهر الحرام حرام ، وأن الذي يستحلّون من المؤمنين هو أكبر من ذلك « 1 » ؛ من صدّهم عن سبيل اللّه ، حين يسجنونهم ويعذّبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، وكفرهم باللّه وصدّهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحجّ والعمرة والصّلاة فيه ، وإخراجهم أهل المسجد الحرام منه ؛ وهم سكّانه من المسلمين ، وفتنتهم إيّاهم عن الدّين . فبلغنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عقل « 2 » ابن الحضرمىّ ، وحرّم الشّهر الحرام كما كان يحرّمه ؛ حتّى أنزل اللّه عزّ وجلّ : ( بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) « 3 » . فقوله : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ) يعنى : أهل الشّرك يسألون عن ذلك على جهة العيب للمسلمين ، باستحلالهم القتال في الشّهر الحرام . وقوله : قِتالٍ فِيهِ تقديره : عن قتال فيه ، وكذا هو في قراءة ابن مسعود « 4 » . قُلْ لهم يا محمد : قِتالٍ فِيهِ في الشّهر الحرام كَبِيرٌ أي : عظيم في الإثم ، وتمّ الكلام هاهنا . ثم قال : وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعنى : صدّ المشركين رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأصحابه عن البيت عام الحديبية وَكُفْرٌ بِهِ أي : باللّه وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ ينخفض بالعطف على « سبيل اللّه » تقديره : وصدّ عن سبيل اللّه وعن المسجد الحرام وَإِخْراجُ أَهْلِهِ أهل المسجد « 5 » مِنْهُ أَكْبَرُ : أعظم وزرا عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ : الشّرك والكفر أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ يعنى : قتل ابن الحضرمىّ . ولمّا نزلت هذه الآية كتب عبد اللّه بن جحش ، صاحب هذه السريّة - إلى مؤمني مكة : إذا عيّركم المشركون بالقتال / في الشّهر الحرام ، فعيّروهم أنتم : بالكفر ، وإخراج الرسول من مكّة ، ومنع المؤمنين عن البيت .

--> ( 1 ) « أي : من قتل ابن الحضرمي » . ( 2 ) عقل القتيل : أعطى ورثته ديته بعد قتله : ( اللسان - مادة : عقل ) . ( 3 ) الآية الأولى من سورة التوبة . ( 4 ) أي : « عن قتال فيه » على تكرير العامل ، كما في ( الكشاف للزمخشري 1 : 261 ) و ( معاني القرآن للفراء 1 : 141 ) و ( البحر المحيط 2 : 145 ) . ( 5 ) يعنى رسول اللّه وأصحابه حين أخرجوا من مكة » ( الوجيز للواحدي 1 : 57 ) .