الواحدي النيسابوري
309
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
كان النّاس بعد وفاة آدم إلى مبعث نوح ( أُمَّةً واحِدَةً ) : على ملّة واحدة ، وهي الكفر - كانوا كفّارا كلهم أمثال البهائم فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ نوحا وإبراهيم وغيرهما من النّبيّين وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ يعنى : الكتب . و « الكتاب » اسم جنس أريد به الجمع بِالْحَقِّ يريد : بالعدل والصّدق لِيَحْكُمَ أي : الكتاب بَيْنَ النَّاسِ بما فيه من البيان فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الأحكام وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الكناية راجعة إلى الكتاب . والمراد بالكتاب المختلف فيه : التّوراة « 1 » . قوله : إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ يعنى : اليهود . واختلافهم في التّوراة : تبديل بعضهم وتحريفهم مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ : الدّلالات الواضحات في شأن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وصحّة نبوّته بَغْياً بَيْنَهُمْ : حسدا منهم وطلبا للرّئاسة فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أي : إلى ما اختلفوا فيه مِنَ الْحَقِّ والمعنى : لمعرفة ما اختلفوا فيه . يقال : هديته إلى الشئ وللشئ « 2 » . قال ابن زيد : اختلفوا في القبلة فصلّت اليهود إلى بيت المقدس ، وصلّت النّصارى إلى المشرق ، فهدانا اللّه للكعبة ؛ واختلفوا في الصّيام ، وهدانا اللّه لشهر رمضان ، واختلفوا في يوم الجمعة ، فأخذت اليهود السّبت ، وأخذت النصارى الأحد فهدانا اللّه له « 3 » ؛ واختلفوا في إبراهيم ، فقالت اليهود : كان يهوديّا ، وقالت النّصارى : كان نصرانيّا ، فهدانا اللّه للحقّ من ذلك ، واختلفوا في عيسى ، فجعلته اليهود لفرية ، وجعلته النّصارى ربّا ، فهدانا اللّه عزّ وجلّ للحقّ من ذلك « 4 » . أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن الحسن الحافظ ، أخبرنا أبو الفتح يوسف بن عمرو بن مسرور ، حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن عبد العزيز ، حدّثنا عبد اللّه بن عون ، حدّثنا أبو سفيان محمد بن حميد ، حدّثنا معمر بن راشد ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال :
--> ( 1 ) كما نقله القرطبي عن الطبري ( تفسير القرطبي 3 : 32 ) . ( 2 ) كما في ( اللسان - مادة : هدى ) . ( 3 ) حاشية ج : « أي ليوم الجمعة » . ( 4 ) انظر ( الدر المنثور 1 : 243 ) و ( تفسير ابن كثير 1 : 365 ) و ( تفسير القرطبي 3 : 32 - 33 ) .