الواحدي النيسابوري

مقدمة 29

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

في سلوك المنهاج ؛ فأما الجذع المزجى من المقتبسين ، والرّيّض الكزّ من المبتدئين - فإنه مع هذا الكتاب كمزاول غلقا ضاع عنه المفتاح ، ومتخبّط في ظلماء ليل خانه المصباح . وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ، ما وجدت له نصّا ، ثم يقول من هو قدوة في هذا العلم من الصحابة وأتباعهم ، مع التوفيق بين قولهم ولفظ الآية ، فأمّا الأقوال الفاسدة ، والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ ، ولا تساعده العبارة - فمما لم أعبأ به ، ولم أضع الوقت بذكره . وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل الأمصار ، دون تسمية القراء . . وكلّ ينفق مما رزقه اللّه ، ويعمل على مقدار ما وفقه اللّه . ومتى يبلغ ضعف سعينا وقاصر جهدنا - نهاية ما لا يتناهى ؟ وهذا سهل بن عبد اللّه يقول : لو أعطى العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم - لم يبلغ نهاية ما أودع اللّه في آية من كتابه : لأنه كلام اللّه ، وكلامه صفته ، وكما أن ليس للّه نهاية ، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه ، وإنما يفهم كل مقدار ما يفتح اللّه على قلبه . وكلام اللّه غير مخلوق ، ولا يبلغ إلى نهاية فهمه فهوم محدثة مخلوقة . ثم إنّ هذا الكتاب عجالة الوقت ، وقبسة العجلان ، وتذكرة يستصحبها المرء حيثما حل وارتحل . وإن أنسئ الأجل ، وأرخى الطول ، وأنظرني الليل والنهار ، حتى يتلفع بالمشيب العذار - أردفه بكتاب أنضجه بنا الروية ، وأردده على راووق الفكرة ، وأضمنه عجائب ما كتبته ، ولطائف ما جمعته » . وقد أفرغ الواحدي في كتابه « البسيط » هذا كلّ ما حصله ووعاه ، وتمثّأه وارتضاه ، أو لحظه وارتآه من العلوم التي حذقها ، والفنون التي برع فيها ؛ مندفعا فيه إلى أقصى حدّ بلغته قدرته كشابّ يطلب المثالة بين الناس ، ويبتغى المكانة بين أعلام المفسرين . وكان النحو أغلب العلوم على عقله ، فاستاق من مسائله الدقاق ما استاق ، واجتلب من مشاكله ما حلاله وراق . ولا عليه أن يأتي تفسيره للبسملة والفاتحة في أربع وعشرين