الواحدي النيسابوري
210
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
المضاف ؛ وذلك أنّ محمدا عليه السّلام يسأل عن حال أمّته فيزكّيهم ويشهد بصدقهم . وقال ابن جريج قلت لعطاء : ما معنى : ( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) ؟ قال : أمّة محمد عليه السّلام شهداء على من ترك الحقّ من النّاس أجمعين - حين جاءه الهدى والإيمان ؛ ( وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) : يشهد على أنّهم آمنوا بالحقّ حين جاءهم وقبلوه ، وصدّقوا به « 1 » . وقوله تعالى : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها . أي : وما جعلنا تحويل القبلة الّتى كنت عليها ، فهو من باب حذف المضاف . ويحتمل أن يكون المفعول الثّانى للجعل « 2 » محذوفا على تقدير : وما جعلنا القبلة الّتى كنت عليها منسوخة ، فحذف للعلم به . وقوله : إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أي : لنعلم العلم الّذى يستحقّ العامل به الثّواب والعقاب وهو علم بالشّىء بعد وجوده - واللّه تعالى يعلم الكائنات ولكن « 3 » لا يعلمها موجودة إلّا إذا وجدت ؛ وذلك العلم هو الذي يوجب الثّواب والعقاب - وابن عباس يفسّر « 4 » « لِنَعْلَمَ » هاهنا : لنرى . وهذا راجع إلى ما ذكرنا « 5 » ؛ لأنّه إنّما يراه إذا علمه موجودا . وكان تحويل القبلة إلى الكعبة ابتلاء من اللّه تعالى لعباده . وذلك أنّ اللّه تعالى لمّا وجّه نبيّه إلى الكعبة قال في ذلك قائلون من الناس ، فقال بعضهم : ( ما ولّاهم عن قبلتهم الّتى كانوا عليها ) . وقال آخرون : قد اشتاق الرّجل إلى مولد آبائه . وقال ابن عباس في قوله : ( مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ) : يعنى أهل
--> ( 1 ) حاشية ج : « فإن قلت : لم يقل « لكم شهيدا » ، لأن شهادته لهم لا عليهم ؟ قلت : لأنه لما كان الشهيد كالرقيب جئ بكلمة الاستعلاء ، كقوله : ( كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) [ سورة المائدة : 117 ] ؛ وقدمت صلة الشهادة أولا ؛ لأن الغرض إثبات شهادتهم على الأمم » . ( 2 ) ب : « للفعل » . ( 3 ) ب : « ولكنه » . ( 4 ) ب : « وقال ابن عباس تفسير » . ( 5 ) حاشية ج : « أي : لا يعلمها إلا إذا وجدت . فإن قلت : ما معنى قوله : « إِلَّا لِنَعْلَمَ » وهو عالم بالأشياء كلها قبل كونها ؟ قلت : أراد به العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب ، فإنه لا يتعلق بما هو عالم به في الغيب ، وإنما يتعلق بما يوجد . والمعنى : لنعلم العلم الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب » .