الواحدي النيسابوري

173

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

وقرأ أبو عمرو : ( ننسأها ) « 1 » - مفتوحة النّون ، مهموزة - ؛ من النّسء ، بمعنى : التّأخير . يقال : نسات الإبل عن الحوض ؛ أي أخّرتها عنه « 2 » . ومعنى « التّأخير » في الآية : أن يؤخّر « 3 » التنزيل ، فلا ينزّل ولا يعلّم ، ولا يعمل به ولا يتلى . والمعنى : نؤخّرها إلى وقت ثان ، فنأتى بدلا منها في الوقت المتقدّم بما يقوم مقامها . ومعنى : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أي : أصلح لمن تعبّد بها ، وأنفع لهم ، وأسهل عليهم ، وأكثر لأجرهم ، لا أنّ آية خير من آية . أَوْ مِثْلِها في المنفعة والمثوبة ، بأن يكون ثوابها كثواب الّتى قبلها . والفائدة في ذلك : أن يكون النّاسخ أسهل في المأخذ من المنسوخ والإيمان به ، والنّاس إليه أسرع ، نحو القبلة الّتى كانت / على جهة « 4 » ، ثم حوّلت إلى الكعبة ؛ فهذا - وإن كان السّجود إلى سائر النّواحى متساويا في العمل والثّواب ، فالّذى أمر اللّه به في ذلك الوقت كان الأصلح والأدعى « 5 » للعرب وغيرهم إلى الإسلام . قوله تعالى : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي : من النّسخ والتّبديل ، وغيرهما . 107 - قوله : أَ لَمْ تَعْلَمْ استفهام معناه : التّقرير . أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « الملك » : تمام القدرة واستحكامها . والمعنى : أنّه يملك السّماوات والأرض ومن فيهنّ ، فهو أعلم بما يتعبّدهم « 6 » به من ناسخ ومنسوخ .

--> ( 1 ) كما في ( اللسان - مادة : نسأ ) وكذا ابن كثير ، وافقهما ابن محيصن واليزيدي ؛ والباقون - بضم النون وكسر السين بلا همز . ( إتحاف فضلاء البشر 145 ) و ( تفسير القرطبي 2 : 67 - 68 ) و ( تفسير ابن كثير 1 : 215 ) و ( البحر المحيط 1 : 343 - 344 ) و ( الداني 76 ) و ( معاني القرآن للفراء 1 : 64 - 65 ) و ( الفخر الرازي 1 : 456 ) قال الطبري : « وأولى القراءات بالصواب من قرأ : « أَوْ نُنْسِها » بمعنى : نتركها ؛ لأن اللّه جل ثناؤه أخبر نبيه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أنه مهما بدل حكما أو غيره ، أو لم يبدله ولم يغيره ، فهو آتية بخير منه أو مثله » : ( تفسير الطبري 2 : 478 ) . ( 2 ) أ ، ب : « إذا أخرتها » . ( 3 ) ب : « ليؤخر » وهو تحريف . ( 4 ) ب : « إلى جهة » . وقد أفاض السيوطي في هذا البحث ، ونقل روايات كثيرة فيه في ( الإتقان في علوم القرآن 2 : 24 - 32 ) . ( 5 ) ب : « كان أصلح وأدعى » . ( 6 ) حاشية ج : « فاعل « يتعبدهم » ضمير عائد إلى اللّه تعالى ، معناه : يأمرهم اللّه تعالى » .