الواحدي النيسابوري
154
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
وراءه ) : بما بعده « 1 » ، أي : ما بعد التّوراة . يريد الإنجيل والقرآن ، ومثل هذا قوله تعالى : ( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) « 2 » أي : ما بعده وما سواه . وقوله : ( فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ ) « 3 » مثله . وقوله تعالى : وَهُوَ الْحَقُّ يعنى ما وراء التّوراة من الإنجيل والقرآن . أخبر اللّه تعالى أنّ ما يكفرون به هو الحقّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ . قال الزّجاج : في هذا دلالة على أنّهم قد كفروا بما معهم ؛ إذ كفروا بما يصدّق ما معهم . قال : ونصبت « مُصَدِّقاً » على الحال « 4 » . ثمّ أمر نبيّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يحتجّ عليهم بقوله : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ؟ وهذا تكذيب لقولهم : ( نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ) أي : أىّ كتاب جوّز فيه قتل نبىّ ، وأىّ دين وإيمان جوّز فيه ذلك ؟ والمراد بلفظ الاستقبال - هاهنا - المضىّ . وجاز ذلك لأنّه لا يذهب الوهم إلى غيره ، لقوله : ( مِنْ قَبْلُ ) ؛ ودليل هذا قوله : ( قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ) « 5 » وأضاف القتل إلى المخاطبين ، وإن كان آباؤهم قد قتلوا ؛ لأنّهم كانوا يتولّون الذين قتلوا فهم على مذهبهم ، وإذا كانوا كذلك فقد شركوهم . قال ابن عبّاس : كلّما عملت معصية فمن أنكرها برئ « 6 » منها ، ومن رضى بها كان كمن شهدها . وقوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « إن » بمعنى الشّرط ، وجوابها قبلها ، على تقدير :
--> ( 1 ) كما روى عن قتادة وأبى العالية والربيع : في ( تفسير الطبري 2 : 349 ) و ( الدر المنثور 1 : 89 ) و ( البحر المحيط 1 : 307 ) و ( تفسير القرطبي 2 : 29 ) وبدون عزو في ( تفسير ابن كثير 1 : 180 ) و ( مجاز القرآن لأبى عبيدة 1 : 47 ) . ( 2 ) سورة النساء : 24 . ( 3 ) سورة المؤمنون : 7 ، والمعارج : 31 . ( 4 ) قال أبو حيان في ( تفسير البحر المحيط 1 : 307 ) « حال مؤكدة ؛ إذ تصديق القرآن لازم لا ينتقل » . وانظر ( تفسير القرطبي 2 : 29 ) . ( 5 ) سورة آل عمران : 183 . ( 6 ) ب : « فقد برئ » .