الواحدي النيسابوري

134

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

ثم فضّل الحجارة على القلب القاسى فقال : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ الكناية في « منه » عائدة على « ما » كأنّه قيل : وإنّ من الحجارة للّذى يتفجّر منه الأنهار ، يعنى : من الحجارة ما يسيل منها أنهار من ماء . وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ أي : يتشقّق ، - فأدغمت التاء في الشين - [ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ ] وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ « 1 » أي : ينزل ويسقط من رأس الجبل إلى أسفله مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . قال مجاهد : كلّ حجر تفجّر منه الماء ، أو تشقّق عن ماء ، أو تردّى من رأس جبل ، فهو من خشية اللّه نزل به القرآن « 2 » . ومعنى الآية : إنّ الحجارة قد تصير إلى هذه الأحوال التي ذكرها من خشية اللّه ؛ وقلوب اليهود لا تخشع ولا تخشى اللّه ولا تلين ، لأنّهم عارفون بصدق محمد - صلّى اللّه عليه وسلم - ، وبأنّ من كذّبه كانت النّار عاقبته ، ثم لا يؤمنون به ، فقلوبهم أقسى من الحجارة . ثم أوعدهم على ترك الإيمان بمحمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أي : أنّه يجازيكم « 3 » على ذلك . ثم خاطب النّبىّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - والمؤمنين فقال :

--> ( 1 ) حاشية ج : « اللام في « لَما يَتَفَجَّرُ » و « لَما يَشَّقَّقُ » و « لَما يَهْبِطُ » توكيد ، ومحل « ما » نصب اسم إن في جميع الصور الثلاثة ؛ والظرف الذي هو مقدم على اسمها خبر إن » . ( 2 ) حاشية ج : « فإن قيل الحجر الجماد لا يفهم شيئا فكيف يخشى ؟ قلنا : اللّه تعالى يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه . ومذهب أهل السنة : أن للّه تعالى علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره ، فلها صلاة وتسبيح وخشية ، كما قال جل ذكره : ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) [ سورة الإسراء : 44 ] ، وقال : ( أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) [ سورة الحج : 18 ] ، وأمثال هذه كثيرة فيجب الإيمان به » . ( 3 ) أ ، ب : « أنه مجازيكم »