الواحدي النيسابوري
96
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
حدّثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربىّ ، حدّثنا سفيان ، عن خالد بن سلمة ، عن أنس ابن مالك ، قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « مررت ليلة أسرى بي على أناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال : هؤلاء خطباء من أهل الدّنيا ممّن كانوا يأمرون النّاس بالبرّ وينسون أنفسهم » « 1 » . ثم رجع إلى خطاب المسلمين فأمرهم أن يستعينوا على ما يطلبونه من رضاء اللّه تعالى ، ونيل جنّته بالصّبر والصّلاة / فقال : 45 - وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ « 2 » . ومعنى « الصّبر » : حبس النّفس على شئ تكرهه . والمراد ب « الصّبر » - هاهنا - : الصّبر على أداء الفرائض ، واجتناب المحارم ، واحتمال الأذى ، وجهاد العدوّ على المصائب . وقوله : وَالصَّلاةِ لأنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر . وقال مجاهد : « الصّبر » في هذه الآية : الصّوم « 3 » . ويقال لشهر رمضان : شهر الصّبر . وقوله تعالى : وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ قال الحسن والضّحاك : ثقيلة . وكلّ ما ثقل على الإنسان : كبر عليه ؛ كقوله تعالى : كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ « 4 » . والكناية في « وَإِنَّها » تعود على « الصَّلاةِ » « 5 » ، لأنّها الأغلب والأفضل والأهمّ ، كقوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
--> ( 1 ) روى عن أنس بن مالك ، باختلاف قليل في اللفظ ؛ كما في ( مسند الإمام أحمد 3 : 120 ) حاشية ج : تقرض : تقطع . مقاريض : جمع مقراض » . ( 2 ) حاشية ج : « الواو بمعنى على ، أي : واستعينوا بالصبر على الصلاة » . ( 3 ) كما في ( تفسير ابن كثير 1 : 123 ) وبدون عزو في ( تفسير الطبري 2 : 11 ) و ( الفخر الرازي 1 : 345 ) وقال الرازي : « لأن الصائم صابر عن الطعام والشراب ، ومن حبس نفسه عن قضاء شهوة البطن والفرج زالت عنه كدورات الدنيا ، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة اللّه تعالى » . ( 4 ) سورة الشورى : 13 . ( 5 ) ( تفسير الطبري 2 : 15 ) .