الواحدي النيسابوري
48
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
و اسْتَوْقَدَ بمعنى : أوقد . و « أضاء » [ في قوله ] « 1 » : فَلَمَّا أَضاءَتْ : يكون لازما ومتعدّيا ؛ يقال : أضاء الشّىء بنفسه وأضاءه غيره ؛ وأضاءت النّار ، وأضاءها غيرها . والذي في هذه الآية متعدّ . و « ما » في قوله : ما حَوْلَهُ منصوب بوقوع الإضاءة عليه ؛ و « حَوْلَهُ » نصب على الظّرف . يقال : هم حوله وحوليه ، وحواله وحواليه . قال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والسّدّىّ : يقول مثل هؤلاء المنافقين ، كمثل رجل أوقد نارا « 2 » في ليلة مظلمة في مفازة ، فاستضاء بها واستدفأ ، ورأى ما حوله ، فاتّقى ما يحذر ويخاف . وأمن - فبينا هو كذلك - ؛ إذ طفئت ناره ، فبقى مظلما خائفا متحيّرا ، كذلك المنافقون لمّا أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها واعتزّوا بعزّها وأمنوا ، فناكحوا المسلمين ووارثوهم « 3 » ، وأمنوا على أموالهم وأولادهم ، فلمّا ماتوا عادوا إلى الظّلمة والخوف ، وبقوا « 4 » في العذاب ؛ وذلك معنى قوله : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ . وكان يجب في حقّ النّظم أن يكون اللفظ « فلمّا أضاءت ما حوله أطفأ اللّه ناره » ليشاكل جواب « لمّا » « 5 » معنى هذه القصّة ؛ ولكن لمّا كان إطفاء النّار مثلا لإذهاب نورهم أقيم إذهاب النّور مقام الإطفاء ، وجعل جواب « لمّا » اختصارا وإيجازا . ومعنى « إذهاب اللّه نورهم » : هو أنّ اللّه تعالى يسلب المنافقين ما أعطوا من النّور مع المؤمنين في الآخرة ؛ وذلك قوله تعالى - فيما أخبر عنهم - : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً « 6 »
--> ( 1 ) ما بين الحاصرتين إضافة يقتضيها السياق . ( 2 ) حاشية ج و ( الوجيز للواحدي 1 : 5 ) « أي حالهم في نفاقهم وإبطانهم الكفر كحال من أوقد نارا . . إلى آخره » . ( 3 ) ب : « وأورثوهم » . ( 4 ) أ : « فبقوا » . ( 5 ) حاشية ج : « وجواب « لما » قوله تعالى : ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ) » . ( 6 ) سورة الحديد : 13 .