القاضي عبد الجبار الهمذاني
493
متشابه القرآن
فإن قيل : فإذا لم يصح أن يلقيهم سجّدا إلا اللّه ، دون سائر الناس ، وجب حمله على ما قلناه . قيل له : لم صرتم بأن تحملوه على هذا ، عند امتناع الظاهر ، أولى من أن يحمل على أنهم سجدوا وألقوا أنفسهم سجّدا ، لأن في كل واحد من الأمرين خروجا عن الظاهر ، وإنما قال تعالى ذلك ، وإن بعد أن يستعمل فيما يكتسب الإنسان مثله ؛ لأن الذي له سجدوا هو أمرهم به ، فصاروا كالمدفوعين عنده إلى ذلك ، لعظم ما عاينوه من ابتلاع العصا المنقلبة حية للحبال والعصىّ التي ألقوها مع عظمها ، فاستعمل فيه من العبارة ما استعمل مثله فيمن يفعل فيه الفعل . 464 - وأما قوله تعالى من بعد : قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ « 1 » فقد بينا أن الفتنة لا ظاهر لها في الكفر والمعصية ، وأن الواجب أن يحمل على أن المراد به تشديد التكليف والمحنة ، وقد ذكرنا ذلك من قبل « 2 » . 465 - فأما قوله تعالى : وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فمن أقوى ما يدل على أنه تعالى لا يضلّ ، لأنه لو كان قد أضلّ من عبد العجل بأن خلق فيهم الضلال ، لم يكن لدعاء السامرىّ تأثير ، وكان وجوده كعدمه ، وقد بينا القول في نظائر ذلك أيضا « 3 » . 466 - وأما قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [ 109 ] يدل على قولنا في الشفاعة « وأنها لا تكون لأعداء اللّه ، لأنه تعالى بين أنها لا تنفع إلا من يختص بهذين الشرطين : أحدهما أن يكون
--> ( 1 ) الآية : 85 وتتمتها ؛ [ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ] . ( 2 ) انظر الفقرة 212 . ( 3 ) انظر الفقرة 399 .