القاضي عبد الجبار الهمذاني

477

متشابه القرآن

قدرته على الصبر في الحقيقة ، لم يكن قول موسى : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً جوابا له ، بل كان الذي يليق به : ستجدني إن شاء اللّه مستطيعا للصبر ، فلما أجاب بذلك دل على أن المراد بالأول نفس الصبر . فكأنه قال : إنك لن تصبر ، ويثقل ذلك عليك ، فأجابه بما ذكره . ويبين ذلك قوله لموسى : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً فلو كان لا قدرة له على الصبر لكان لا يجوز أن يصبر : لا على ما عرف علته ، ولا على ما لم يعرف ، ولكان حالهما سواء . فلما بين بهذا القول أنه لا يصبر على ما يعجب ظاهره ، ولا يعرف علته علم أن المراد بالأول : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ بمعنى : أن ذلك يثقل عليك ولا يخف ، لأن المعلوم من حال الطباع أنها تحب الوقوف على علل الأمور الحادثة ، إذا كانت معجبة في الظاهر ومشتبهة . يبين ذلك أنه قال في الجواب : لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ [ 73 ] ولو كان لا يقدر عليه ، لكان الأولى أن يقول : لا تؤاخذني بما لست أقدر عليه ، لأن مع النسيان قد يقع الفعل ، ومع فقد القدرة يستحيل عليه على كل حال . ويبين ذلك : أنه لما سئل عن سبب قتل الغلام أعاد هذا القول ، ولولا أنه أراد بالأول أن ذلك يثقل عليه لم يكن لإعادته عليه معنى ! ولكان لا يجوز أن يوبخه على ذلك ! ولما صح من موسى أن يجعل العذر في ذلك في قوله : قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً [ 76 ] لأنه إذا كان لا يقدر على الصبر عن ذلك في الحقيقة ، لم يصح أن يكون هذا جوابا له ولذلك قال في آخره : قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [ 78 ] فبين أنه إنما أراد بالقول الأول أنه يثقل