القاضي عبد الجبار الهمذاني
468
متشابه القرآن
والجواب عن ذلك : أن التثبيت على الشيء ليس هو الشيء بنفسه ، لأن الفعل قد يحصل ولا يثبت الفاعل عليه ، وقد يحصل ويثبت عليه ، فلا يدل ظاهره على أنه تعالى إذا ثبته فقد فعل فيه الإيمان ، وعلى هذه الطريقة تجرى هذه اللفظة ؛ لأنه يقال : فلان قد ثبت على هذا الأمر ، وقد ثبت على الفعل ، ويراد بذلك غير الفعل ، لكنا قد علمنا أن الفاعل لا يجوز أن يثبت على فعله لعلة سوى فعله ، فلا بد من أن تحمل الآية على أنه تعالى يثبته بالألطاف والمعونة والتأييد والعصمة « 1 » ، فلا تدل الآية على ما قاله القوم ، ولو كان تعالى ثبته صلّى اللّه عليه بأن خلق فيه الفعل ونهاه لم يكن لقوله : لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا معنى ؛ لأنه كان يجب أن يكون ممنوعا من هذا الركون ، فإنما يصح على ما قلناه . 429 - مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه قد يريد الكفر والقبيح ، فقال : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ 82 ] فإذا علمنا أن القرآن لا يجوز أن يزيدهم ، علمنا أن منزله هو الذي زادهم ، وهذا يدل على أنه أراد منهم الخسران وفعله .
--> ( 1 ) سبقت الإشارة إلى مثل هذه الألفاظ عند التعليق على اللطف والتوفيق ( انظر تعليقنا على الفقرتين : 14 ، 154 ) وقد شرح القاضي في آخر كتابه شرح الأصول الخمسة حقيقة المراد بهذه الألفاظ عندهم ! فقال في المعونة : إنها تمكين الغير من الفعل مع الإرادة له ، ولهذا لا يجوز إطلاق القول بأن أفعالنا كلها من جهة اللّه تعالى ، على معنى أنه أعاننا عليها ، لأنه لا يصح أن يقال إنه أعاننا على المعاصي ، لأنه لم يردها . أما العصمة فهي في الأصل : المنع ، وصارت بالعرف « عبارة عن لطف يقع معه الملطوف فيه لا محالة ، حتى يكون المرء معه كالمدفوع إلى أن لا يرتكب الكبائر ، ولهذا لا يطلق إلا على الأنبياء ، أو من يجرى مجراهم » على ما جاء في شرح الأصول ، وإن كنا نعتقد أن قوله : أو من يجرى مجراهم » من عبارة معلق الكتاب ، وهو زيدي ، وقد أجاز لنفسه رحمه اللّه أن يكتب فصل الإمامة في الكتاب من وجهة نظره كذلك . انظر شرح الأصول الخمسة ، ص : 779 - 780 . وانظر ص 749 فما بعدها مع تعليق الأستاذ المحقق الدكتور عبد الكريم عثمان .