القاضي عبد الجبار الهمذاني
29
متشابه القرآن
يجب أن يقال إنه حسن في الحكمة و [ فيه ] تعريض لمزيد منفعة ، فكذلك القول في المتشابه ، ولم نقل ذلك ؛ لأنه يحسن منه تعالى أن يكلفه للثواب فقط ، بل لا بد فيما كلّفه من أن يختص بوجه له يستحق الثواب فيه ، فإذا حصل في المتشابه ذلك الوجه صح أن يعرّض به تعالى لزيادة الثواب ، وحسن في الحكمة من هذا الوجه ، كما يحسن التكليف السمعي بعد التكليف العقلي . ومما يبين ذلك أنه لو كان أجمع محكما لكان الأكثر يتكلون على التقليد ، لأنهم الآن ربما اتكلوا على تقليده وفيه متشابه ، فكيف به لو كان جميعه محكما ؟ ومتى انقسم إلى الأمرين كان أقرب إلى أن يطلبوا الترجيح في أحدهما بالنظر والتفكر . وأنت ترى من يطلب التفقه ، إذا اختلفت الأقاويل والروايات يكون أطلب لوجوه الترجيح وأكثر تفكرا فيها منه إذا لم يجد في الروايات اختلافا . فإذا كانت هذه العادة معقولة لم يمتنع أن يعلم تعالى أنه إذا أنزله محكما ومتشابها يكون ذلك أدعى لهم إلى كثرة الفكر ، ليميزوا ما يجب أن يعتقد ظاهره مما يجب أن يرجع فيه إلى الدليل ، فيجب أن يكون ذلك في الحكمة أولى . وقد بينا أن القديم عز وجل قد ثبت أنه لا يختار فعل القبيح لكونه عالما به ، وبأنه « 1 » غنى عنه ، فيجب إذا وجدنا في أفعاله ما يشتبه ظاهره أن نحمله على الوجه الذي يحسن وقوعه عليه ، كما قلنا في الآلام التي يفعلها اللّه تعالى بالمكلف وغيره ، فقلنا : إذا لم يجز كونها قبيحة ، لهذه الدلالة ، فلا بد من إثباتها حسنة ، فإذا لم يصح أن يحسن الاستحقاق ؛ لأنه لا ذنب مقدّم للطفل المؤلم ، ولم يجز أن يكون
--> ( 1 ) د : لأنه .