القاضي عبد الجبار الهمذاني

22

متشابه القرآن

لوجب أن يكون الخطاب بالمحكم أولى وأقرب إلى البيان ، ولا يفعل عز وجل في خطابه إلا الأولى في الحكمة والمصلحة ، فيجب من هذا الوجه ألا يحسن أن ينزّل بعضه متشابها . وكيف يصح ذلك وقد نفى عز وجل عن كتابه الاختلاف بقوله : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » ؟ ومتى أثبت فيه المحكم والمتشابه أدى إلى الاختلاف والتناقض ، وكل ذلك يوجب القدح في القرآن وإبطال ما ذكرتموه في المحكم والمتشابه ! قيل له : إن هذا السائل لا يخلو من أن يكون قد سلّم أنه عز وجل حكيم لا يفعل القبيح أو لم يسلم ذلك وينازع فيه . فإن كان مخالفا فيه لم نكلمه في هذا الفرع ، لأنا قد بينا فيما تقدم أن جميع القرآن إنما يمكن أن يستدل به ويعلم صحته ، ووجه دلالته متى علم من حال فاعله أنه حكيم لا يكذب في أخباره ، ولا يفعل الخطاب على وجه يقبح عليه « 2 » . ومحال أن يكلم من يجحد ذلك في فرع من فروعه . فأما إن سلّم ذلك فإن مكالمته في هذا الباب تصح ، وإن كان تسليمه مع القول بأن القرآن من فعله يقتضى إبطال مسألته ، لأنه قد سلّم في الجملة أنه جل وعز حكيم لا يفعل إلا الحكمة والصواب ، واشتباه وجه الحكمة علينا لا يؤثر في هذا الوجه الذي قد ذكرناه . وهذا بمنزلة أن يعلمنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لا يكذب في أخباره ، فمتى أخبر بشيء ولم يعلم كيفيته فيجب أن يسلم به « 3 »

--> ( 1 ) من الآية 82 من سورة النساء ( 2 ) راجع المسألة الأولى السابقة ( 3 ) د : له .