القاضي عبد الجبار الهمذاني

14

متشابه القرآن

مصالح العباد ، وقد ثبت أن النفع لا يقع بالخطاب بجنسه ولا بسائر صفاته ، وإنما يقع به لأمر يرجع إلى معناه ، ولذلك يقبح من أحدنا إذا كان غرضه إفهام الغير ومخاطبته أن يخاطبه بالزنجية مع تمكنه من أن يخاطبه بالعربية ، ولا سبيل له إلى معرفة الزنجية البتة . فإذا صح أنه عز وجل خاطب بلغة مخصوصة وغرضه نفع المكلف على ما بيناه ، فلا « 1 » بد في جميع كلامه من أن يكون دلالة يمكن أن يستدل به على المراد ، ولو جوزنا - والحال هذه - في بعض خطابه أن لا يكون عز وجل أراد به ما يصح من المكلف أن يعرفه ، لجوزنا ذلك في سائره . وذلك يوجب أن لا يوثق بشيء من خطابه ، وأن يكون عابثا في ذلك ، وأن لا يكون بينه وبين أن يخاطبنا - ونحن عرب - بالزنجية فرق ! وفساد ذلك يبطل هذا القول فأما قول من يقول إن الواجب في المتشابه الإيمان به فقط فذلك بعيد ، لأنه يجب أن يعلم على أي وجه يصح أن يخاطب عز وجل به ، ثم يؤمن المكلف به على ذلك الوجه . وإن كان المخالف يقول إنه نؤمن « 2 » بأنه من كلامه تعالى وأنه لم يرد به شيئا ، فهو الذي بينا فساده . وان قال : نؤمن أنه قد أراد به ما للمكلف فيه نفع ولا يمكنه أن يعرف ذلك ، فهذا يوجب كونه عابثا ، وكأنه أوجب على الخلق في المتشابه أن يعتقدوا فيه أنه لا فائدة فيه ، ويتعالى اللّه عن ذلك . وكتاب اللّه عز وجل ينطق بما قلناه ، لأنه بهن أنه أنزله فيكون « 3 » شفاء وهدى ورحمة ، وبين أن فيه البيان ، والكفاية واقعة به ، ولو كان لا يفهم به المراد لم يصح ذلك فيه .

--> ( 1 ) د : ولا ( 2 ) ساقطة من د . ( 3 ) لعل قوله : « ليكون » أصح .