القاضي عبد الجبار الهمذاني
2
متشابه القرآن
قيل له : لأنه إنما يدل بأن يصدر من حكيم لا يجوز أن يختار الكذب والأمر بالقبيح ، ومتى لم يكن فاعله بهذه الصفة لم يعلم وجه دلالته ، فيجب أن يعلم أولا أنه عز وجل حكيم لا يختار القبيح ، حتى يصح أن يستدل بالقرآن على ما يدل عليه ، وذلك يمنع من أن يستدل به على إثباته تعالى وإثبات حكمته . وبعد ، فليس يخلو من خالف في ذلك من أن يقول : أخبار القرآن تدل ، مع التوقف في لونها من قبيل الصدق ، أو يقول : إنها لا تدل إلا وقد علم أنها صدق . ولا شبهة في فساد الأول ، لأن كل خبر كونه كذبا غير دال على حال مخبره ، وإذا صح ذلك فلا بد من أن يعلم [ كونه ] صدقا ، ولا يخلق العلم بذلك دون « 1 » أن يرجع فيه إلى نفس الخبر ، أو إلى خبر سواه ، أو إلى دليل العقل . ولا يصح أن يعلم أن الخبر صدق بنفسه ، لأنه إنما يدل على حال غيره لا على حال نفسه . وإن علم أنه صدق بخبر آخر لم يخل من أن يكون واردا عن اللّه عز وجل أو عن غيره ، ولا يجوز أن يرجع إلى خبر غيره . وخبره عز وجل إذا رجع إليه ولمّا علم حاله في الحكمة فكأنه استدل على أنه صادق في سائر أخباره ، ومتى جوّز في سائر أخباره الكذب يجوز في هذا الخبر مثله ، فلا يصح النقد به . ولذلك قلنا : إن المجبّرة إذ « 2 » جوزت عليه عز وجل أن يفعل القبيح لا يمكنها المعرفة بصدقه عز وجل ، لا من جهة العقل ، ولا من جهة السمع !
--> ( 1 ) في الأصل : من . ( 2 ) في الأصل : إذا .