القاضي عبد الجبار الهمذاني
مقدمة 48
متشابه القرآن
بما تقدم ، لأن الأصم الأبكم قد يكون عاقلا ، ومتى حمل على التشبيه كان له به تعلق ، فيتسق المعنى ، والنظم « 1 » . 2 - ومن شواهد الاعتماد على النظم والسياق كذلك في تأويلاته رحمه اللّه ، صرفه الأمر الوارد في قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إلى معنى التقرير والتقريع ، لأن صدر الآية يبين أنه تعالى قد خص آدم بأن علمه الأسماء ليكون علمه بها معجزة له ، فأراد أن يبين للملائكة أن هذا الاختصاص يوجب نبوته ، قال القاضي : « فقررهم بقوله : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ على ذلك ، ونبه من حالهم على أنهم إذا لم يختصوا بما اختص به آدم مما فيه انتقاض عادة فيجب أن يكون نبيا ، ولذلك حكى عنهم ما يدل على الانقياد ، وهو قولهم : قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا . وكذلك ترجح الآية التالية صرف الأمر إلى التقرير ، قال تعالى من بعد قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ . . . الآية ؛ لأنه لو كان تكليفا لكان لا يتغير حاله بأن يخبرهم آدم عليه السلام بالأسماء ، ولم يكن لقوله تعالى عند ذلك إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ معنى . . « 2 » وهكذا يرد القاضي على من زعم أن في الآية دلالة على أن اللّه تعالى يكلف العبد ما لا يطيق ، ويأمره بما يعلم أنه لا سبيل له إلى القيام به ، لأن هذا مما يأباه العقل ، ومما يفسد به نظم الآية بعد ذلك .
--> ( 1 ) انظر ص : 115 - 116 . ( 2 ) انظر ص : 80 - 83 .