القاضي عبد الجبار الهمذاني

مقدمة 45

متشابه القرآن

والواقع أن اللغة لم تكن لتسعف القاضي في تأويلاته لو أنه كان ينطلق في ذلك على منهج باطل ، فعل الباطنية مثلا ، ومن هنا يمكن الحكم على منهج القاضي في المتشابه وفي التأويل ، كما يمكننا أن نرجح تسمية تأويله بالتأويل العقلي - دون التأويل اللغوي « 1 » - لأن اللغة لا تعدو أن تكون أداة لهذا التأويل في نهاية المطاف ، وإن كان لا يمتنع أن نقول إن القاضي وسائر المعتزلة يعتمدون في تأويلهم لكتاب اللّه على شيئين رئيسيين : هما العقل واللغة « 2 » . من شواهد الاعتماد على اللغة : ونكتفي في بيان هذا الاعتماد على اللغة - والذي تكاد تخلو منه

--> ( 1 ) سمى جولد زيهر منهج المعتزلة في التأويل بالمنهج اللغوي ! وقد تناولنا هذه النقطة في البحث الذي نعده عن منهج المعتزلة في التفسير . والذي تناولنا فيه جميع قواعد هذا المنهج في التفسير والتأويل . ( 2 ) من طريف ما يدل على هذا المنهج المقلى لدى المعتزلة ما أجاب به جعفر بن مبشر - أبو محمد الثقفي من رجال الطبقة السابعة - الخياط حين سأله عن قوله تعالى : [ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ] وعن الختم والطبع . فقال : ( أنا مبادر إلى حاجة . ولكني ألقى إليك جملة تعمل عليها : اعلم أنه لا يجوز على أحكم الحاكمين أن يأمر بمكرمة ثم يحول دونها . ولا أن ينهى عن قاذورة ثم يدخل فيها . وتأول الآيات بعد هذا كيف شئت ) طبقات المعتزلة . ص : 76 . أما تمكن المعتزلة من لسان العرب ولغتها ، مما أعانهم على تأويلاتهم العقلية ، فأشهر من أن يتحدث عنه ، وبحسبهم العلاف والنظام والجاحظ ، والجبائيان ، وشهادة علماء اللغة ، قال المبرد : ( ما رأيت أفصح من أبى الهذيل والجاحظ ، وكان أبو الهذيل أحسن مناظرة ، شهدته في مجلس وقد استشهد في جملة كلامه بثلاثمائة بيت ) . طبقات منزلة ص : 45 وقال ثمامة : ( وصفت أبا الهذيل للمأمون فلما دخل عليه جعل المأمون يقول لي : يا أبا معن وأبو الهذيل يقول لي يا ثمامة . فكدت أتقد غيظا . فلما احتفل المجلس استشهد في عرض كلامه بسبعمائة بيت ، فقلت : إن شئت فكننى وإن شئت فسمنى ! ) . المصدر السابق ، ص : 46 . وانظر الفصل الذي عقده الحاكم لذكر ( من ذهب إلى العدل من الشعراء وأئمة اللغة ) والذي قال في أوله : ( أكثر نحاة البصرة ، وكثير من أهل اللغة . وجملة من الشعراء وأئمة الأدب يذهبون مذهب العدل ) شرح عيون المسائل . المجلد الأول . ورقة 163 - 166 .