القاضي عبد الجبار الهمذاني

77

متشابه القرآن

والإباحة من أصول الفقه « 1 » . فإن قال : إن كان في جملة ما في الأرض ما يحرم التصرف فيه ، فكيف امتنّ علينا في جميعه بأنه خلقه لنا ؟ قيل له : إن ما يحرم تناوله قد ينتفع به بالاعتبار وبالاستدلال ، وبأن تميزه من غيره في أنه يجب تجنبه ، فإذا شق ذلك علينا انتفعنا به من جهة الثواب ، فربما يزيد النفع بالمحرّم ، من الوجه الذي قلنا ، على النفع بالمحلل ؛ لأن ذلك عاجل منقطع ، وهذا آجل دائم . 25 - وقوله تعالى : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يبين فساد قول المشبهة ؛ لأنه لو كان جسما ذا قلب ، لوجب أن تكون علومه متناهية ، فكان لا يصح أن يكون عالما بكل شيء . 26 - مسألة : قالوا : وقد ذكر تعالى فيها بعد ذلك ما يدل على أنه يريد الفساد « 2 » بقوله : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا :

--> ( 1 ) في كتب الفقه باب الحظر والإباحة - أو كتاب الاستحسان كما يسمونه - وهو يحوى على مسائل أو أحكام بنيت في دلالتها على الاستحسان ، وفي كتب الأصول والقواعد الفقهية بيان لهذا الأصل ، أو هذه القاعدة المعروفة : الأصل في الأشياء الإباحة ، وما يتصل بها من القواعد الفرعية ، وقد شرح قاضى القضاة رحمه اللّه ما أجمله هنا من شروط الانتفاع بالمباح وبيان المحظور ، في الجزء الخاص بالشرعيات من كتابه : المغنى : « فصل في بيان ما هو أصل في الخطر ، وما هو أصل في الإباحة وما يتصل بذلك » . المغنى : 17 / 145 - 148 . وانظر : بدائع الصنائع : 5 / 118 فما بعدها وأصول التشريع الاسلامي للأستاذ على حسب اللّه / ص : 168 : الطبعة الثالثة . ( 2 ) الخلاف بين المعتزلة وغيرهم حول إرادته تعالى للكفر والفساد ، أو للقبيح ، مبنىّ على خلافهم في فهم هذه الإرادة « أهي مطلقة لا تنطبق عليها معايير الحسن والقبح ، أو العدل والظلم ، أم تخضع لحكمته وعدله » فعند الأشاعرة : أنها مطلقة ، ولا يوصف فعله - سبحانه - الذي قد يخالف ما يوجبه العقل بأنه قبيح أو ظلم ، كإنابة العاصي وعقاب المؤمن . وعند المعتزلة