القاضي عبد الجبار الهمذاني

44

متشابه القرآن

قد يكون الصلاح أن يفعله وقد يكون بخلافه ، ولذلك قلنا في الدعاء : إن الواجب أن يفعله بشرط ، فيدعوه بأمور الدين والدنيا ، بشرط أن لا يكون فسادا وأن يكون داخلا في الصلاح . وقلنا إنه لا بد في هذا الشرط من أن يكون بالنية وإن لم يظهر ، وقلنا في من لا يشترط ذلك : إنه جاهل بكيفية الدعاء . فإذا صح ذلك لم يكن في ظاهر قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ دلالة على أن الهداية لم تتقدم ، ولا دلالة على أنه تعالى يفعلها في المستأنف ، لأنه لا يمتنع أن نتعبد بالانقطاع إليه تعالى في المسألة والطلب ، وإن كان ما سألنا « 1 » لا يجوز أن يفعل . ومعلوم من حاله أنه يفعل أو لا يفعل . وعلى هذا الوجه قال تعالى : رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ « 2 » وقال حاكيا عن إبراهيم صلّى اللّه عليه : وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ « 3 » وقال : وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ « 4 » . وعلى هذا الحد نستغفر للأنبياء والصالحين ونطلب من اللّه عز وجل الصلاة عليهم والرحمة ، وإن كان كل ذلك معلوما أنه يفعله عز وجل أو لا يفعله . فكيف يصح التعلق بما ذكرناه ؟ ! وبعد ، فإنما يدل ذلك على أنه عز وجل يصح أن يفعل الهداية في المستقبل ، ولا يدل على أن تلك الهداية ما هي ؟ ولا يمتنع أن يكون تعالى قد دل على الدّين المستقيم ، وتجدد الأدلة عليه حالا بعد حال ، أو يجوز ذلك منه وإن كان لا يفعله . وقد بينا أن حسن المسألة لا يقتضى أن المطلوب يفعل لا محالة ، لأنه قد يكون

--> ( 1 ) د : سأله . ( 2 ) قال تعالى : ( قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ) سورة الأنبياء : 112 . ( 3 ) سورة الشعراء : 87 . ( 4 ) من الآية 286 في سورة البقرة .