الشريف المرتضى
30
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
ومن حال هذا الهلاك حسن هذا الكلام ، واستعمل ذكر الإرادة لهذا الوجه « 1 » . وكلام العرب وحي وإشارات واستعارات ومجازات « 2 » ولهذه الحال كان كلامهم في المرتبة العليا من الفصاحة ؛ فإنّ الكلام متى خلا من الاستعارة ، وجرى كلّه على الحقيقة كان بعيدا من الفصاحة ، بريّا من البلاغة ، وكلام اللّه تعالى أفصح الكلام . والوجه الرابع : أن تحمل الآية على التّقديم والتأخير ؛ فيكون تلخيصها : إذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا واستحقّوا العقاب أردنا إهلاكهم ؛ والتقديم والتأخير في الشعر وكلام العرب كثير . ومما يمكن أن يكون شاهدا لصحّة هذا ؛ التأويل من القرآن قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ « 3 » ، والطهارة إنّما تجب قبل القيام إلى الصلاة ، وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ « 4 » ، وقيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إقامة الصلاة ، لأنّ إقامتها هي الإتيان بجميعها على الكمال . فأما قراءة من قرأ الآية بالتشديد فقال : « أمرنا » « 5 » ، وقراءة من قرأها بالمدّ والتخفيف فقال : « آمرنا » « 6 » فلن يخرج معنى قراءتيهما عن الوجوه التي
--> ( 1 ) في حاشية بعض النسخ : « تصوير المجاز في الآية على أن التقدير : إذا قرب هلاك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا ؛ وكذلك قولهم : إذا أراد المريض . . . وهذا كقوله تعالى : فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ؛ أي يقرب أن ينقض ؛ وإنّما كنى بالإرادة عن القرب في هذه المواضع لأن المريد للشيء ، المخلى بينه وبينه - ولا مانع هناك - ما أقرب ما يقع مراده ، واللّه أعلم » . ( 2 ) حاشية بعض النسخ : الإرادة قد تستعمل في الجماد فضلا عن العقلاء ؛ كقوله تعالى : فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ؛ وكقول الراعي النميري : في مهمة قلقت به هاماتها * قلق الفؤوس إذا أردن نصولا ( 3 ) سورة المائدة ، الآية : 6 . ( 4 ) سورة النساء ، الآية : 102 . ( 5 ) هي قراءة شاذة ، عن أبي عثمان النهدي ، ولليث عن أبي عمرو ، وأبان عن عاصم . ( وانظر القراءات الشاذة لابن خالويه 75 ) . ( 6 ) هي قراءة شاذة أيضا ، عن خارجة عن نافع ( انظر المصدر السابق ) .