الشريف المرتضى

28

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

بغير الفسق المذكور في الآية فلا معنى لقوله تعالى : « إذا أردنا أمرنا » ، لأنّ أمره بما يأمر به لا يحسن إرادته العقاب المستحقّ بما تقدّم من الأفعال ، وإن كانت الإرادة متعلّقة بالإهلاك بمخالفة الأمر المذكور في الآية فهذا الذي تأبونه ، لأنّه يقتضي أنّه تعالى مريد لإهلاك من لم يستحقّ ذلك العقاب . والجواب عن ذلك : أنّه تعالى لم يعلّق الإرادة إلّا بإهلاك المستحقّ بما تقدّم من الذنوب ، والذي حسّن قوله تعالى : « وإذا أردنا أمرنا » ، هو أنّ في تكرار الأمر بالطاعة والإيمان إعذارا إلى العصاة ، وإنذارا لهم ، وإيجابا وإثباتا للحجّة عليهم ؛ حتّى يكونوا متى خالفوه وأقاموا على العصيان والطغيان بعد تكرار الوعيد والوعظ والإنذار ممّن يحقّ عليه القول ، وتجب عليه الحجّة ؛ ويشهد بصحّة هذا التأويل قوله تعالى قبل هذه الآية : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 1 » . والوجه الثاني : في تأويل هذه الآية أن يكون قوله تعالى : أَمَرْنا مُتْرَفِيها من صفة القرية وصلتها ، ولا يكون جوابا لقوله تعالى : وَإِذا أَرَدْنا ويكون تقدير الكلام : وإذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنّا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها « 2 » ، وتكون « إذا » علي هذا الجواب لم يأت لها جواب ظاهر في الآية ، للاستغناء عنه بما في الكلام من الدّلالة عليه « 3 » ؛ ونظير هذا قوله تعالى في صفة الجنة : حَتَّى إِذا

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 15 . ( 2 ) في حاشية بعض النسخ : « ويكون كأنه قال تعالى : وإذا أردنا أن نهلك قرية مأمورا مترفوها كررنا القول عليهم ، وأعدنا الوعظ لهم ، وأمرناهم ثانيا ففسقوا فيها ، فحق عليها القول . واللّه أعلم بالمراد » . ( 3 ) في حاشية بعض النسخ : « يمكن أن يحتمل « لإذا » في الآية جواب ، وهو أن تجعل الفاء في قوله تعالى : فَدَمَّرْناها زائدة ، وتجعل « دمرنا » جوابا لإذا ، ولا خلاف في مورد الفاء زائدة في كلام العرب ؛ حكى ابن جني عن أبي علي قال : حكى أبو الحسن عنهم : « أخوك فوجد » بمعنى أخوك وجدو من ذلك قولهم : زيدا فاضربه ، وعمرا فأكرم ، وعلى هذا قوله تعالى : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ، ( 5 ) ويكون معنى الآية على هذا إخبارا عن عزة اللّه تعالى وقدرته على جميع ما أراد تعالى . وحجة الفاء زائدة ، في بيت الكتاب : لا تجزعي إن منفسا أهلكته * وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي الفاء في « فاجزعي » زائدة .