الشريف المرتضى

6

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

وقال في الذين تبؤوا الدار والإيمان - وهم الأنصار - : يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ « 1 » . وقال فيمن جاء بعدهم : يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ « 2 » فهذه الآيات تدلّ على أنّه لا ينكر في آية وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أن يكون قوله : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ حالا لهم ؛ مع العلم بتأويل المتشابه ؛ ولو أشكل شيء من ذلك لما أشكل قوله : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا في أنّه موافق لقوله : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وأنّ الصورتين واحدة . وممّا يستشهد به على ذلك من الشعر قول يزيد بن مفرّغ « 3 » في عبد له كان يسمّي بردا باعه ثمّ ندم عليه : وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه « 4 » هامة تدعو صدى * بين المشقّر فاليمامه « 5 » الرّيح تبكى شجوه * والبرق يلمع في الغمامة فعطف البرق على الريح ، ثمّ اتبعه بقوله : « يلمع » ؛ كأنّه قال : والبرق أيضا يبكيه لا معا في غمامه ؛ أي في حال لمعانه ؛ ولو لم يكن البرق معطوفا على الريح في البكاء لم يكن للكلام معنى ولا فائدة . ويمكن أيضا على هذا الوجه - مع عطف « الراسخين » على ما تقدّم ، وإثبات العلم بالمتشابه لهم - أن يكون قوله : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ استئنافها جملة ، واستغني فيه عن حرف العطف ؛ كما استغني في قوله تعالى : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ « 6 » ونحو ذلك ممّا للجملة الثانية فيه التباس في الجملة الأولى ، فيستغنى به عن حرف العطف ، ولو عطف بحرف العطف كان حسنا ، ينزّل الملتبّس منزلة غير الملتبّس .

--> ( 1 ) سورة الحشر ، الآية : 9 . ( 2 ) سورة الحشر ، الآية : 10 . ( 3 ) هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ ؛ وخبر بيعه بردا ، مع الأبيات في الأغاني : 17 / 53 - 55 . ( 4 ) شريت : بعت ، والهامة والصدى ، كلاهما كناية عما تزعم العرب أنه يطير من رأس الميت . ( 5 ) المشقر : حصن بين البحرين ونجران . ( 6 ) سورة الكهف ، الآية : 22 .