الشريف المرتضى
89
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
وقد اقترنت الآيات القرآنية بدواع وأسباب في شأن نزولها . ويراد بأسباب النزول « ما نزلت الآية أو الآيات متحدّثة عنه أو مبيّنة لحكمه أيّام وقوعه » « 1 » . فسبب نزول الآية - إذن - يعدّ قرينة دلالية تحيط بالنصّ من الخارج ، يستعان بها في فهم المعنى وتوجيهه ، وهي « طريق قوي في فهم معاني القرآن » « 2 » . ويذهب بعض المفسّرين إلى « امتناع معرفة تفسير الآية ، وقصد سبيلها من دون الوقوف على قصّتها وبيان نزولها » « 3 » . وتعدّ أسباب النزول من القرائن الدلالية الّتي اعتمد عليها الشريف المرتضى في بيانه لدلالة النصّ القرآني ، فهو حين يقف عند قوله تعالى : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 4 » . يقول : « المراد بالسيّئة هاهنا الأمراض والمصائب والقحط ، لأنّ قريشا كانت إذا نزل بها خصب وخفض قالوا : هذا من عند اللّه ، وإذا نزل بهم شدّة ومجاعة قالوا : هذا شؤم محمّد - حاشا له من ذلك - فيبيّن تعالى أنّ ذلك كلّه من اللّه تعالى » « 5 » . فالشريف المرتضى يصرف دلالة اللفظة « السيّئة » عن معنى الذنب أو الخطيئة إلى معنى المصائب والأمراض ، ويتّخذ من سبب النزول دليلا يعضد به رأيه ، ذلك لأنّ المجبرة اتّخذوا من هذه الآية دليلا على أنّه سبحانه وتعالى خالق لأفعال العباد ، وهو ما يرفضه المرتضى الّذي يقول بمبدأ العدل . وقد عدّ الشيخ الطوسي رحمه اللّه هذه الآية من المتشابه ، وردّها إلى آية أخرى محكمة هي قوله تعالى : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ « 6 » ، الّتي وجد فيها « دلالة على أنّ المعاصي ليست من عند اللّه ، بخلاف ما تقوله المجبّرة ، ولا من فعله . لأنّها لو كانت من فعله لكانت من عنده . . . » « 7 » .
--> ( 1 ) مناهل العرفان في علوم القرآن : 99 . ( 2 ) لباب النقول في أسباب النزول : 5 . ( 3 ) أسباب النزول : 4 . ( 4 ) سورة النساء ، الآية : 78 . ( 5 ) رسائل الشريف المرتضى ، 3 : 194 ، ( مسألة في خلق الأفعال ) ، وينظر معاني القرآن ، 2 : 79 . ( 6 ) سورة آل عمران : الآية : 78 . ( 7 ) التبيان في تفسير القرآن ، 2 : 509 .