الشريف المرتضى
81
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
الأفهام المختلفة ، ليأخذ كلّ فهم حصّته . . . » « 1 » ، والعلم بالنظم القرآني هو الّذي « يبرز الأسرار والنكت في أسلوب القرآن ، ويكشف الفروق المعنوية الدقيقة بين خصوصيات التراكيب ، ويربط هذه الخصوصيات بالسياق والغرض العام » « 2 » . وقد تنبّه علماؤنا القدامي على أهمّيّة السياق في النصّ القرآني ، والفوائد الّتي تجتنى منه في تحديد المراد وتخصيص العامّ وتقييد المطلق ، ولذا قال الزركشي ( ت 794 ه ) : « دلالة السياق ، فإنّها ترشد إلى تبيّن المجمل ، والقطع بعدم احتمال غير المراد ، وتخصيص العام ، وتقييد المطلق وتنوع الدلالة ، وهو من أعظم القرائن الدالّة على مراد المتكلّم » « 3 » . فالسياق - إذن - يؤثّر تأثيرا كبيرا في تحديد المفردات القرآنية ، وذلك لخصوص الاستخدام القرآني لعدد من الألفاظ ، ولا سيّما أنّ النظم القرآني اكتسبت به قسم من الألفاظ ، دلالات خاصّة من معانيها العامّة أو صار لبعضها دلالة جديدة غير معهودة سابقا تطلبها السياق القرآني أو الجو الديني العام ، فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته ، فانظر إلى قوله تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ « 4 » ، كيف نجد سياقه يدلّ على أنّه الذليل الحقير » « 5 » . وقد وقف الشريف المرتضى عند قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ « 6 » . ويتوقّع أنّ سائلا يسأل : كيف يطابق وصفهم بالعلم هاهنا لوصفهم بالجهل في قوله تعالى : قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ « 7 » . وفي الجواب يقول : هذه الآية معناها متعلّق بما قبلها ، لأنّه تعالى أمرهم بعبادته ، والاعتراف بنعمته ، ثمّ عدّد عليهم صنوف النعم الّتي ليست إلّا من جهته ، ليستدلوا
--> ( 1 ) إشارات الإعجاز في مظانّ الإيجاز : 62 . ( 2 ) البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري : 189 . ( 3 ) البرهان في علوم القرآن ، 2 : 200 . ( 4 ) سورة الدخان ، الآية : 49 . ( 5 ) بدائع الفوائد ، 4 - 9 / 10 . ( 6 ) سورة البقرة ، الآية : 22 . ( 7 ) سورة الزمر ، الآية : 64 .