الشريف المرتضى
553
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
فتفهم عنه . ويجوز أن يسمّي ذلك دعاء إمّا على الحقيقة أو على المجاز . وقد قال أبو جعفر الطبري « 1 » : إنّ ذلك ليس بأمر ولا دعاء ، ولكنّه عبارة عن تكوين الشيء ووجوده ، كما قال تعالى في الذين مسخهم : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ « 2 » وإنّما أخبر عن تكوينهم كذلك من غير أمر ولا دعاء ، فيكون المعنى على هذا التأويل . ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ، فإنّ اللّه تعالى يؤلّف تلك الأجزاء ويعيد الحياة فيها ، فيأتينك سعيا ، وهذا وجه قريب . فإن قيل : على الوجه الأوّل كيف يصحّ أن يدعوها وهي أحياء ؟ وظاهر الآية يشهد بخلاف ذلك ؛ لأنّه تعالى قال : ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً . وقال عقيب هذا الكلام من غير فصل : ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً . فدلّ ذلك على انّ الدعاء توجّه إليهن وهنّ أجزاء متفرّقة . قلنا : ليس الأمر على ما ذكر في السؤال ؛ لأنّ قوله : ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً لا بدّ من تقدير محذوف بعده ، وهو : فإنّ اللّه يؤلفهن ويحييهن ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً . ولا بدّ لمن حمل الدعاء لهنّ في حال التفرّق وانتفاء الحياة من تقدير محذوف في الكلام عقيب قوله : ثُمَّ ادْعُهُنَّ ؛ لأنّا نعلم أنّ تلك الأجزاء والأعضاء لا تأتي عقيب الدعاء بلا فصل ، ولا بدّ من أن يقدّر في الكلام عقيب قوله : ثُمَّ ادْعُهُنَّ ، فإنّ اللّه تعالى يؤلّفهنّ ويحييهنّ فيأتينك سعيا . فأمّا أبو مسلم الاصفهاني فإنّه فرارا من هذا السؤال حمل الكلام على وجه ظاهر الفساد ؛ لأنّه قال إنّ اللّه تعالى أمر إبراهيم عليه السّلام بأن يأخذ أربعة من الطيور ، ويجعل على كل جبل طيرا ، وعبّر بالجزء عن الواحد من الأربعة ، ثمّ أمره بأن يدعوهنّ وهنّ أحياء من غير إماتة تقدّمت ولا تفرّق من الأعضاء ، ويمرّنهنّ على الاستجابة لدعائه ، والمجيء إليه في كل وقت يدعوها فيه . ونبّه
--> ( 1 ) تفسير الطبري 3 / 40 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 65 ؛ وسورة الأعراف ، الآية : 166 .