الشريف المرتضى
512
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
والشافعي يوافق الإمامية ، في أنّ إحرامه بالحج لا ينعقد ، لكنّه يذهب إلى أنّه ينعقد له عمرة « 1 » . وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والثوري وابن حي : إنّه إذا أحرم بالحجّ قبل أشهر الحجّ انعقد إحرامه ولزمه « 2 » ؛ وقد روى عن أبي حنيفة مع ذلك كراهيته « 3 » ، والحجة لنا إجماع الطائفة وأيضا قوله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ومعنى ذلك وقت الحج أشهر معلومات ؛ لأنّ الحج نفسه لا يكون أشهرا ، والتوقيت في الشريعة يدلّ على اختصاص الموقت بذلك الوقت وأنّه لا يجزي في غيره . وأيضا فقد ثبت أنّ من أحرم في أشهر الحج انعقد إحرامه بالحجّ بلا خلاف ، وليس كذلك من أحرم قبل ذلك ، فالواجب إيقاع الإحرام في الزمان الذي يحصل العلم بانعقاده فيه ، فان تعلّق المخالف بقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ « 4 » فظاهر ذلك يقتضي أنّ الشهور كلّها متساوية في جواز الاحرام فيها . والجواب أنّ هذه آية عامة تخصصها بقوله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ وبحمل لفظة الأهلة على أشهر الحجّ خاصة ، على أنّ أبا حنيفة لا يمكنه التعلّق بهذه الآية ؛ لأنّ اللّه تعالى قال : مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ والاحرام عنده ليس من الحجّ ، وبعد فتوقيت العبادة يقتضي جواز فعلها بغير كراهية ، وعند أبي حنيفة وأصحابه أنّه مكروه تقديم الاحرام على أشهر الحج ، وقد أجاب بعض الشافعية عن التعلّق بهذه الآية بأنّ قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ أي لمنافعهم وتجاراتهم ، ثم قال : وَالْحَجِّ فاقتضى ذلك أن يكون بعضها لهذا وبعضها لهذا ، وهكذا نقول ، ويجري ذلك مجرى قوله : هذا المال لزيد وعمر وأنّ الظاهر يقتضي اشتراكهما فيه ، وهذا ليس بمعتمد ؛ لأنّ الظاهر من قوله تعالى : لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ يقتضي أن يكون جميع الأهلة على العموم لكلّ واحد
--> ( 1 ) المغني ( لابن قدامة ) ، 3 : 224 . ( 2 ) نفس المصدر . ( 3 ) مجمع الأنهر ، 1 : 264 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 189 .