الشريف المرتضى

510

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

إلّا وجوب القسم الأخير وهو التمتع الذي ذهبنا إليه ، فإن قيل : قد نهى عن هذه المتعة مع متعة النساء عمر بن الخطاب وأمسكت الأمة عنه راضية بقوله « 1 » . قلنا : نهي من ليس بمعصوم عن الفعل لا يدلّ على قبحه ، والامساك عن النكير لا يدلّ عند أحد من العلماء على الرضا إلّا بعد أن يعلم أنّه لا وجه له إلّا الرضا ، وقد بيّنا ذلك وبسطناه في كثير من كتبنا . وبعد فان الفقهاء والمحصّلين من مخالفينا حملوا نهي عمر عن هذه المتعة على وجه الاستحباب لا على الحظر ، وقالوا في كتبهم المعروفة المخصوصة بأحكام القرآن : إنّ نهي عمر يحتمل أن يكون لوجوه : منها : أنّه أراد أن يكون الحج في أشهر المخصوصة به والعمرة في غير تلك الشهور . ومنها : أنّه أحب عمارة البيت وأن يكثر زوّاره في غير الموسم . ومنها : أنّه أراد إدخال المرفق على أهل الحرم بدخول الناس إليهم . ورووا في تقوية هذه المعاني أخبارا موجودة في كتبهم لا معنى للتطويل بذكرها ، وفيهم من حمل نهي عمر عن المتعة على فسخ الحج إذا طاف له قبل يوم النحر . وقد روي عن ابن عباس رحمه اللّه عليه أنّه كان يذهب إلى جواز ذلك « 2 » وأنّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان أمر أصحابه في حجّة الوداع بفسخ الحج من كان منهم لم يسق هديا ولم يحل هو عليه السّلام ؛ لأنّه كان ساق الهدي « 3 » ، وزعموا أنّ ذلك منسوخ بقوله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وهذا التأويل الثاني بعيد من الصواب ؛ لأنّ فسخ الحجّ لا يسمّى متعة ، وقد صارت هذه اللفظة بعرف الشرع مخصوصة بمن ذكرنا حاله وصفته . وأمّا التأويل الأوّل فيبطله قوله : أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما ، وتشدده في ذلك وتوعّده يقتضي أن لا يكون القول خرج مخرج الاستحباب ، على أنّ

--> ( 1 ) موطأ مالك ، 1 : 344 . ( 2 ) المغني ( لابن قدامة ) ، 7 : 572 . ( 3 ) صحيح البخاري ، 2 : 177 .