الشريف المرتضى

493

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

هذه اللفظة قد تستعمل في مواضع كثيرة من الكلام ولا يراد بها أكثر من الإشارة إلى الجنس والطبقة من غير استغراق وعموم ؛ حتى يكون حمل كلام المتكلم بها على خصوص أو عموم ؛ كالمناقض لغرضه والمنافي لمراده ؛ ألا ترى أنّ القائل إذا قال : فلان يأكل اللحم ، ويشرب الخمر ، وضرب الأمير اليوم اللصوص ، وخاطب الجند لم يفهم من كلامه إلّا محض الجنس والطبقة من غير خصوص ولا عموم ؛ حتى لو قيل له : فلان يأكل جميع اللحم ، ويشرب جميع الخمر أو بعضها لكان جوابه : إنّني لم أرد عموما ولا خصوصا ؛ وإنّما أريد أنّه يأكل هذا الجنس من الطعام ، ويشرب هذا الجنس من الشراب ؛ فمن فهم من كلامي العموم أو الخصوص فهو بعيد من فهم مرادي . وأرى كثيرا من الناس يغلطون في هذا الموضع ، فيظنّون أنّ الإشارة إلى الجنس من غير إرادة العموم والاستغراق ليست مفهومة ؛ حتى يحملوا قول من قال : أردت الجنس في كل موضع على العموم ؛ وهذا بعيد ممّن يظنّه ؛ لأنّه كما أنّ العموم والخصوص مفهومان في بعض بهذه الألفاظ فكذلك الإشارة إلى الجنس والطبقة من غير إرادة عموم ولا خصوص مفهومة مميّزة ؛ وقد ذكرنا أمثلة ذلك . فأمّا قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فأكثر المفسّرين حملوه على أنّ المراد بمن شهد منكم الشهر من كان مقيما في بلد غير مسافر . وأبو عليّ حمله على أنّ المراد به فمن أدرك الشهر وشاهده وبلغ إليه وهو متكامل الشروط فليصمه ، ذهب في معنى « شهد » إلى معنى الإدراك والمشاهدة . وقد طعن قوم على تأويل أبي عليّ وقالوا : ليس يحتمل الكلام إلّا الوجه الأول . وليس الأمر على ما ظنّوه ؛ لأنّ الكلام يحتمل الوجهين معا ؛ وإن كان للقول الأوّل ترجيح ومزيّة على الثاني من حيث يحتاج في الثاني من الإضمار إلى أكثر ممّا يحتاج إليه في الأوّل ؛ لأنّ قول الأوّل لا يحتاج إلى إضمار الإقامة وارتفاع السفر ؛ لأنّ قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ يقتضي الإقامة ؛ وإنّما يحتاج إلى إضمار باقي الشروط من الإمكان والبلوغ وغير ذلك . وفي القول الثاني يحتاج مع كلّ ما أضمرناه في القول الأوّل إلى إضمار